دليل الأرجنتينالطعام في الارجنتين
آخر تحديث: 2026-08-02الطعام في الأرجنتين
يُعد المطبخ الأرجنتيني انعكاسًا مباشرًا للتنوع الثقافي والتاريخي الذي تشكلت منه البلاد. فهو يجمع بين الموروث الغذائي للشعوب الأصلية، والتأثيرات التي جاءت مع الاستعمار الإسباني، ثم موجات الهجرة الأوروبية والعربية والآسيوية التي وصلت إلى الأرجنتين خصوصًا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وقد أسهمت الشعوب الأصلية في إدخال مكونات أساسية ما تزال حاضرة في المطبخ الأرجنتيني، مثل الذرة والبطاطا والبطاطا الحلوة والكسافا والفلفل والطماطم والفاصوليا والقرع ونبتة المتّة. ثم تطور ما يُعرف بـالمطبخ الكريولي نتيجة امتزاج هذه العناصر بالمطبخ الإسباني والتأثيرات الأفريقية، قبل أن تضيف الهجرة الإيطالية حضورًا واسعًا للمعكرونة والبيتزا والآيس كريم، إلى جانب التأثيرات القادمة من إسبانيا وبلاد الشام والدول المجاورة، مثل بوليفيا وباراغواي وبيرو.
ولا يوجد في الأرجنتين مطبخ واحد متطابق في جميع المقاطعات، بل تختلف الأطباق بحسب المنطقة والمناخ والمواد المتوافرة. فمطبخ الشمال الغربي يعتمد بصورة أكبر على الذرة والبطاطا والقرع واللحوم المجففة، بينما تشتهر مناطق السهول الوسطى بلحوم الأبقار والحبوب ومنتجات الألبان، وتتميز باتاغونيا بلحوم الضأن والأسماك ومنتجات البحر، في حين يظهر تأثير الهجرة الأوروبية بصورة أوضح في بوينس آيرس والمدن الكبرى.
الإنتاج الزراعي وأثره في المطبخ
كان للامتداد الجغرافي الواسع وخصوبة السهول الأرجنتينية دور حاسم في تشكيل عادات الطعام. فالأرجنتين دولة زراعية وحيوانية كبرى، تنتج القمح والذرة وفول الصويا وعباد الشمس والأرز والبقول والسكر والزيتون والعنب والحمضيات والتفاح والكمثرى والخوخ والفراولة والطماطم، إلى جانب اللحوم والحليب والبيض والزيوت النباتية.
ويحتل فول الصويا مكانة أساسية في الاقتصاد الزراعي، إذ يُوجه جانب كبير منه ومن مشتقاته إلى التصدير وإنتاج الزيوت والأعلاف. وبلغ إنتاج موسم 2025–2026 نحو 49.7 مليون طن، مع استمرار فول الصويا ومشتقاته ضمن أبرز مكونات التجارة الزراعية الخارجية للأرجنتين.
كما تُعد الأرجنتين من الدول المهمة عالميًا في إنتاج وتصدير العسل. ووفق بيانات عام 2025، جاءت في المرتبة الخامسة عالميًا من حيث الإنتاج والرابعة في التصدير، ثم سجلت صادرات العسل خلال الأشهر الأولى من عام 2026 أعلى حجم وقيمة لها منذ عشرين عامًا.
اللحوم والشواء الأرجنتيني
تحتل اللحوم مكانة مركزية في النظام الغذائي الأرجنتيني، ولا سيما لحوم الأبقار. وعلى الرغم من تغير أنماط الاستهلاك وارتفاع حضور الدجاج ولحم الخنزير، بقيت الأرجنتين من أكثر الدول استهلاكًا للحوم.
وخلال عام 2025 بلغ إجمالي استهلاك لحوم الأبقار والدواجن والخنزير نحو 116.4 كيلوغرامًا للفرد، منها قرابة 49.9 كيلوغرامًا من لحم البقر، و47.7 كيلوغرامًا من لحوم الدواجن، و18.9 كيلوغرامًا من لحم الخنزير. وتعكس هذه الأرقام تنوعًا أكبر مما كان سائدًا في السابق، مع بقاء اللحم البقري عنصرًا رئيسيًا في المطبخ الوطني.
ويُعد الأسادو أو الشواء الأرجنتيني أشهر أطباق البلاد، لكنه لا يمثل مجرد طريقة لطهي اللحم، بل مناسبة اجتماعية تجمع العائلة والأصدقاء، وخصوصًا أيام الأحد والعطل. وتُطهى قطع مختلفة من اللحم على الفحم أو الحطب، مثل أضلاع البقر وقطعة الـ«فاسيو» والمتامبري، وتُقدم غالبًا مع النقانق والمورشيا والأحشاء المشوية والسلطات والبطاطا.
ويرافق الشواء عادة صلصة الشيميتشوري المصنوعة من الأعشاب والثوم والخل والزيت والتوابل، أو الصلصة الكريولية التي تتكون غالبًا من الطماطم والبصل والفلفل.
ومن الأطعمة الشعبية المرتبطة بالشواء أيضًا التشوريبان، وهو شطيرة تتكون من نقانق التشوريزو المشوية داخل الخبز، وتُقدم مع الشيميتشوري أو الصلصة الكريولية. وهي شائعة في الملاعب والمهرجانات والتجمعات العامة والمطاعم الشعبية. ويصف الموقع السياحي الرسمي الأسادو بأنه أحد أهم تقاليد المائدة الأرجنتينية وطقسًا مرتبطًا باجتماعات العائلة والأصدقاء.
الإمبانادا
تُعد الإمبانادا من أكثر الأطعمة انتشارًا وشعبية في الأرجنتين، وهي عجينة محشوة تُخبز في الفرن أو تُقلى، ويختلف حشوها وطريقة إعدادها من مقاطعة إلى أخرى.
تُحشى الإمبانادا عادة باللحم والبصل والبيض والزيتون والتوابل، لكن توجد أنواع بالدجاج والجبن والذرة والخضروات والأسماك ولحم الضأن. وتشتهر إمبانادا توكومان بحشوها العصاري من اللحم المقطع بالسكين، بينما تتميز إمبانادا سالتا بحجمها الأصغر واحتوائها غالبًا على البطاطا والتوابل. وفي مندوزا قد يدخل النبيذ في إعداد الحشوة، بينما تستخدم في باتاغونيا لحوم الضأن أو منتجات البحر.
ولا تُعتبر الإمبانادا طعامًا سريعًا فحسب، بل جزءًا من الهوية الإقليمية، إذ تقام لها مهرجانات وطنية ومسابقات محلية لاختيار أفضل الوصفات.
البيتزا والمعكرونة والتأثير الإيطالي
يظهر التأثير الإيطالي بوضوح في الحياة اليومية للأرجنتينيين، خصوصًا في البيتزا والمعكرونة والنوكي والرافيولي واللازانيا. وأصبحت هذه الأطباق جزءًا من المطبخ المحلي، لا مجرد أطعمة وافدة.
وتختلف البيتزا الأرجنتينية عن نظيرتها الإيطالية التقليدية، إذ تكون عجينتها عادة أكثر سماكة وتحتوي على كمية كبيرة من الجبن. ومن أشهر أنواعها بيتزا الموزاريلا، وبيتزا الفوغاتسا بالبصل، والفوغاتسيتا المحشوة بالجبن.
وتُقدم البيتزا في بوينس آيرس أحيانًا مع قطعة من الفاينا، وهي عجينة رقيقة مصنوعة من دقيق الحمص، وتؤكل فوق شريحة البيتزا أو إلى جانبها.
أما المعكرونة، فتُعد من الأطباق التقليدية لغداء يوم الأحد، وخصوصًا الرافيولي والتالياتيلي والنوكي. وترتبط عادة تناول النوكي في التاسع والعشرين من كل شهر بوضع قطعة نقدية تحت الطبق، تفاؤلًا بالرزق والبركة.
الميلانيسا وأطباق الحياة اليومية
تُعد الميلانيسا من أكثر الأطباق استهلاكًا في المنازل والمطاعم الأرجنتينية. وهي شريحة من اللحم أو الدجاج تُغطى بالبيض وفتات الخبز ثم تُقلى أو تُخبز في الفرن.
ومن أشهر أنواعها الميلانيسا النابوليتانا، التي تُغطى بصلصة الطماطم والجبن وشرائح لحم الخنزير، رغم أن اسمها لا يعني أنها طبق قادم مباشرة من مدينة نابولي، بل هي وصفة تطورت داخل بوينس آيرس.
وتُقدم الميلانيسا عادة مع البطاطا المقلية أو البطاطا المهروسة أو السلطة، كما تؤكل داخل شطيرة مع الخس والطماطم والصلصات.
الأطباق التقليدية والإقليمية
إلى جانب اللحوم والمعكرونة، توجد أطباق تقليدية ذات جذور كريولية ومحلية ما تزال حاضرة، خصوصًا في المناسبات الوطنية وفصل الشتاء.
من أشهرها اللوكرو، وهو حساء كثيف يُعد من الذرة والفاصوليا والقرع واللحوم والنقانق، ويرتبط بصورة خاصة بالاحتفالات الوطنية في 25 مايو و9 يوليو.
وهناك أيضًا الهوميتا المصنوعة من الذرة والبصل والتوابل والجبن، وقد تُقدم داخل أوراق الذرة، والتامال المحشو باللحم والمطهو داخل أوراق الذرة، وهما من الأطباق الشائعة في شمال غرب البلاد.
كما تنتشر أطباق اليخنة، ومنها يخنة العدس والأرز واللحوم، وحساء الكاريرو الذي يحتوي على الخضروات واللحم والمعكرونة. وتبرز في بعض المناطق أطباق من لحم الماعز واللاما والضأن، إضافة إلى الأطعمة المصنوعة من الكينوا والذرة والقرع. وتوضح المواد السياحية الرسمية أن أطباق شمال غرب الأرجنتين تحتفظ بجذور دياجيتية وكالشاكية واضحة، مع استخدام الذرة والكينوا والتشاركي والقرع.
الخبز ومنتجات الألبان
ساهم الإنتاج الواسع للقمح في انتشار الخبز الأبيض ومنتجات المخابز في جميع أنحاء البلاد. ويؤكل الخبز مع معظم الوجبات، كما تنتشر المخبوزات مثل الكرواسون الأرجنتيني المعروف باسم ميديالونا، والخبز المحشو، والبسكويت المالح والحلو.
وللأرجنتين قطاع مهم في إنتاج الحليب ومشتقاته، لذلك تنتشر أنواع كثيرة من الجبن، منها الجبن الطري وشبه الصلب والقاسي، وتُستخدم الأجبان في البيتزا والمعكرونة والسندويشات والحلويات.
دولسي دي ليتشي
يُعد دولسي دي ليتشي أحد أبرز رموز المطبخ الأرجنتيني، ويُحضّر من الحليب والسكر عبر طهيهما ببطء حتى يتحول الخليط إلى كريمة كثيفة بنية اللون.
يُستخدم دولسي دي ليتشي في حشو الكعك والألفاخور والكرواسون والفطائر، كما يؤكل مع الخبز أو المثلجات. وتعتبره الجهات الرسمية جزءًا من التراث الغذائي والثقافي للأرجنتين ومن المنتجات التي ارتبط اسمها بالبلاد عالميًا.
الألفاخور
يُعد الألفاخور من أكثر الحلويات استهلاكًا وإنتاجًا في الأرجنتين. ويتكون عادة من قطعتين من البسكويت بينهما حشوة من دولسي دي ليتشي، ثم يُغطى بالشوكولاتة أو السكر أو الميرانغ.
ولكل منطقة أنواعها الخاصة؛ فهناك الألفاخور السانتافيسيني، والألفاخور الكوردوبي المحشو بمربى الفاكهة، وأنواع باتاغونيا المحشوة بثمار الغابات، وأنواع من مندوزا يدخل فيها نبيذ مالبيك، إضافة إلى أصناف تُصنع من الذرة أو الجوز.
وتعود الجذور التاريخية للألفاخور إلى المطبخ العربي، ثم انتقل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، قبل أن يُعاد ابتكاره في الأرجنتين باستخدام مكونات محلية، وعلى رأسها دولسي دي ليتشي.
الآيس كريم والحلويات
يحظى الآيس كريم بشعبية كبيرة في الأرجنتين، وخصوصًا الآيس كريم الحرفي المتأثر بالمدرسة الإيطالية. وتنتشر محال المثلجات في جميع المدن، ويزداد الإقبال عليها في فصل الصيف، مع وجود نكهات محلية مثل دولسي دي ليتشي، وماتي، ومالبيك، وثمار باتاغونيا.
كما تنتشر حلويات أخرى مثل الفلان مع دولسي دي ليتشي، والأرز بالحليب، والباستافلورا المحشوة بمربى السفرجل، والتورتا فروولا، والتشوروس، وحلوى السفرجل مع الجبن المعروفة باسم بوستري فيخيـلانتي.
المتّة
تُعد المتّة المشروب الأكثر ارتباطًا بالهوية اليومية للأرجنتينيين. وهي منقوع يُحضّر من أوراق نبتة يربا ماتي، ذات الأصل الغواراني، ويُشرب في وعاء صغير بواسطة أنبوب معدني يسمى بومبيّا.
ولا يقتصر شرب المتّة على إرواء العطش، بل يمثل عادة اجتماعية، إذ يتشارك أفراد العائلة أو الأصدقاء الوعاء نفسه، ويتولى شخص واحد عادة إضافة الماء وتقديمه إلى الآخرين.
ويمكن تحضير المتّة ساخنة، أو باردة مع العصير والأعشاب فيما يُعرف باسم تيريري، كما يمكن غلي أوراقها وتقديمها مثل الشاي تحت اسم ماتي كوسيدو.
القهوة والشاي والأعشاب
انتشر استهلاك القهوة منذ الحقبة الاستعمارية، ثم أصبحت المقاهي مراكز للقاء والنقاش الثقافي والسياسي، وخصوصًا في مدينة بوينس آيرس.
ويشرب الأرجنتينيون القهوة السوداء، أو القهوة بالحليب، أو الكورتادو الذي يتكون من القهوة مع كمية قليلة من الحليب. وغالبًا ما تُقدم القهوة مع الميديالونا أو الحلويات.
كما ينتشر الشاي التقليدي، إضافة إلى منقوع الأعشاب مثل البولدو والبيبرينا والبابونج، وهي أعشاب ارتبط بعضها بالممارسات الشعبية القديمة واستخدامات الجهاز الهضمي.
النبيذ
تُعد صناعة النبيذ من أبرز عناصر الاقتصاد والثقافة الغذائية في الأرجنتين، وتتركز بصورة أساسية في مندوزا وسان خوان، إلى جانب سالتا ولا ريوخا وكاتاماركا ونيوكين وريو نيغرو ومناطق أخرى.
وفي عام 2025 بلغت مساحة الكروم نحو 196 ألف هكتار، وبلغ إنتاج النبيذ حوالي 10.77 ملايين هكتولتر، بينما تجاوزت قيمة صادرات النبيذ 661 مليون دولار، بحسب بيانات المعهد الوطني لزراعة الكروم وصناعة النبيذ.
ويُعد مالبيك الصنف الأكثر شهرة وتمثيلًا للنبيذ الأرجنتيني. وبنهاية عام 2025 بلغت المساحة المزروعة به 46,890 هكتارًا، وشكل نحو 71.9% من حجم صادرات النبيذ الأرجنتيني المصنف بحسب نوع العنب، ووصل إلى 114 دولة.
وتوجد إلى جانب مالبيك أصناف مثل كابرنيه ساوفيغنون، وبوناردا، وسيرا، وتورونتيس، وشاردونيه، وتنتشر طرق النبيذ والسياحة المرتبطة بمزارع الكروم، وخصوصًا في مندوزا وسالتا وسان خوان.
وجبات اليوم والعادات الاجتماعية
يتكون الإفطار الأرجنتيني التقليدي عادة من القهوة بالحليب أو المتّة، مع الخبز والزبدة والمربى، أو الميديالونا. ويكون الإفطار في العادة خفيفًا مقارنة بوجبات بعض الدول الأخرى.
ويُتناول الغداء في فترة الظهر، بينما يتأخر العشاء غالبًا حتى التاسعة مساءً أو بعد ذلك، ولا سيما في المدن الكبرى.
وتوجد أيضًا وجبة خفيفة بعد الظهر تسمى الميريندا، وتضم القهوة أو المتّة مع المعجنات أو الخبز أو الألفاخور.
ويحتفظ يوم الأحد بمكانة خاصة في الثقافة الغذائية، إذ تجتمع العائلات حول الأسادو أو أطباق المعكرونة، ولا سيما الرافيولي والنوكي واللازانيا. ويتجاوز الطعام في هذه المناسبات وظيفته الغذائية ليصبح وسيلة لتعزيز الروابط العائلية والاجتماعية.
التنوع الاجتماعي والإقليمي
تختلف عادات الطعام بين المدن والأرياف وبين المناطق الجغرافية والطبقات الاجتماعية. ففي المدن الكبرى توجد مطاعم عالمية ومطابخ حديثة وتجارب طهي مبتكرة، إلى جانب المطاعم التقليدية.
أما في الأرياف والمقاطعات الداخلية، فما تزال الوصفات المحلية وطرق الطهي على الحطب والفرن الطيني أكثر حضورًا، وتستمر تقاليد حفظ اللحوم وصناعة الأجبان والمربيات والحلويات المنزلية.
كما شهدت المطاعم الأرجنتينية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في المطبخ المعاصر، مع اهتمام أكبر بالمنتجات الموسمية والمكونات المحلية، ودخول مطاعم في بوينس آيرس ومندوزا إلى تصنيفات وأدلة عالمية، من بينها دليل ميشلان.
أشهر الأطعمة الأرجنتينية
وعلى الرغم من هذا التنوع، تبقى بعض الأطعمة معروفة ومستهلكة في معظم أنحاء البلاد، وفي مقدمتها الأسادو، والشيميتشوري، والتشوراسكو، والميلانيسا، والإمبانادا، والتشوريبان، والبيتزا، والمعكرونة، واللوكرو، واليخنات، ودولسي دي ليتشي، والألفاخور، والآيس كريم والمتّة.
شاهد الفيديو ومصدره من “يوتيوب” حول الطعام الأرجنتيني التقليدي
وهذه الأطعمة لا تمثل مجرد قائمة من الأطباق، بل تختصر تاريخ الأرجنتين الاجتماعي، وتداخل ثقافات سكانها، وأهمية الزراعة وتربية الحيوانات والهجرة في تكوين هويتها الوطنية.
