دليل الارجنتين 2

الجامعات الأرجنتينية أمام تحديات الإصلاح.. أزمة التمويل تكشف ضعف معدلات التخرج والحاجة إلى تحديث التعليم العالي

الجامعات الأرجنتينية أمام تحديات الإصلاح.. أزمة التمويل تكشف ضعف معدلات التخرج والحاجة إلى تحديث التعليم العالي

الأرجنتين بالعربي – خاص:

تواجه الجامعات الأرجنتينية مرحلة حاسمة تتداخل فيها أزمة التمويل الحكومي مع تحديات هيكلية تتعلق بجودة التعليم، وطول مدة الدراسة، وانخفاض معدلات التخرج، وضعف البحث العلمي، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بإصلاحات شاملة تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وسوق العمل.

ومن المقرر أن تشهد الأرجنتين، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، النسخة الخامسة من المسيرة الجامعية الفيدرالية، بدعوة من رؤساء الجامعات والنقابات التعليمية والإدارية والمنظمات الطلابية، للمطالبة بتنفيذ قانون تمويل الجامعات.

وتأتي هذه التعبئة بعد نحو ثلاث سنوات من الخلافات بين الجامعات الحكومية والحكومة الوطنية، شهدت تدخلات من الكونغرس والقضاء، على خلفية تراجع الموازنات والرواتب والمنح الدراسية والموارد المخصصة للبحث العلمي.

وبحسب دراسة أعدها مركز أبحاث الاقتصاد الوطني (CIEN) التابع لجامعة بوينس آيرس (UBA)، انخفضت موازنة الجامعات في يوليو 2026 بنسبة 40.5% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2023.

وتقدّر الجامعات والنقابات أن رواتب العاملين في القطاع الجامعي فقدت نحو 31.2% من قيمتها خلال الفترة نفسها.

غير أن الأزمة المالية، رغم أهميتها، ليست التحدي الوحيد الذي يواجه التعليم العالي في الأرجنتين؛ إذ يرى خبراء أن الانشغال المستمر بتأمين الموارد اللازمة لاستمرار عمل المؤسسات الجامعية أبعد النقاش عن مشكلات هيكلية تراكمت على مدى سنوات.

دعوات إلى إصلاح جامعي ثانٍ

يرى فرانكو بارتولاتشي (Franco Bartolacci)، رئيس المجلس الوطني للجامعات (CIN) ورئيس جامعة روساريو الوطنية (UNR)، أن الجامعات بحاجة إلى تحول أكاديمي وتربوي عميق.

ويؤكد أن المؤسسات الجامعية لا تستطيع الاستمرار بالأساليب نفسها التي كانت تعتمدها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

ويدعو بارتولاتشي إلى إطلاق ما يسميه «إصلاحًا جامعيًا ثانيًا» يقوم على إحداث ثورة أكاديمية وتربوية ومناهجية، تشمل إعادة النظر في الخطط الدراسية وأنواع الشهادات وأساليب التدريس.

وفي الوقت نفسه، يشدد على ضرورة الحفاظ على نقاط القوة في النظام الجامعي الحكومي، وفي مقدمتها إتاحة فرص الالتحاق بالتعليم العالي.

ويقول إن دفاعه عن الجامعات الحكومية لا يعني التغاضي عن أوجه القصور، مشيرًا إلى أن عددًا من التحولات المطلوبة بدأ بالفعل داخل المؤسسات التعليمية.

وفي سبتمبر الماضي، نظم المجلس الوطني للجامعات مؤتمرًا وطنيًا للابتكار الجامعي في مدينة باريلوتشي، ناقش خلاله المشاركون تحديث المناهج الدراسية واعتماد أنماط جديدة للتعليم والتدريب.

طلاب كثيرون وخريجون قليلون

تُعد الفجوة بين أعداد الملتحقين بالجامعات وأعداد الخريجين إحدى أبرز المشكلات التي تواجه نظام التعليم العالي الأرجنتيني.

فوفق دراسة صادرة عن مركز دراسات التعليم الأرجنتيني التابع لجامعة بلغرانو، تمتلك الأرجنتين نسبة من طلاب الجامعات إلى عدد السكان تفوق نظيرتيها في البرازيل وتشيلي، لكنها تسجل معدلات تخرج أقل بكثير.

وتُظهر بيانات عام 2023 أن الأرجنتين تضم 564 طالبًا جامعيًا لكل عشرة آلاف نسمة، مقابل 461 طالبًا في البرازيل و352 طالبًا في تشيلي.

لكن عند مقارنة أعداد الخريجين، تتراجع الأرجنتين بصورة واضحة، إذ تسجل 31 خريجًا لكل عشرة آلاف نسمة، مقابل 64 خريجًا في البرازيل و57 في تشيلي.

وتكشف الإحصاءات الرسمية الحديثة عن حجم المشكلة بصورة أكثر تفصيلًا.

فبحسب التقرير السنوي للإحصاءات الجامعية لعام 2024 الصادر عن أمانة التعليم، بلغ عدد طلاب البرامج الجامعية الأولية ومرحلة الإجازة في الجامعات الوطنية 1,980,133 طالبًا، بينما لم يتجاوز عدد الخريجين خلال العام نفسه 93,320 خريجًا.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2024، ارتفع عدد الطلاب بنسبة 39.8%، في حين لم ترتفع أعداد الخريجين السنوية سوى بنسبة 19.7%.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التوسع في إتاحة التعليم الجامعي لم يترافق مع زيادة مماثلة في القدرة على إيصال الطلاب إلى مرحلة التخرج.

دراسة تمتد ثماني سنوات بدلًا من أربع

يرى نوربرتو فرنانديز لامارا (Norberto Fernández Lamarra)، الأستاذ الفخري في جامعة تريس دي فبريرو الوطنية (UNTREF) ومدير مركز الأبحاث المعني بالتكوين والدراسات من أجل تطوير التعليم، أن إصلاح النظام الجامعي يتطلب مراجعة بنية البرامج الأكاديمية.

وينتقد استمرار اعتماد برامج جامعية تبلغ مدتها النظرية خمس أو ست سنوات، في حين يبلغ متوسط مدة الدراسة للحصول على شهادة جامعية أولى في كثير من الأنظمة التعليمية حول العالم نحو أربع سنوات.

ويشير إلى أن الطالب الأرجنتيني يحتاج، في المتوسط، إلى ثماني سنوات لإكمال دراسته الجامعية.

ويقترح الانتقال تدريجيًا نحو برامج تمنح شهادات أولية خلال أربع سنوات، مع إعادة تنظيم السنوات الأولى من الدراسة.

ويحذر من خطورة التسرب الجامعي، خصوصًا خلال السنتين الأولى والثانية، معتبرًا أن المشكلة لا تقتصر على طول المدة التي يحتاجها الطلاب للتخرج، بل تشمل أيضًا الأعداد الكبيرة التي تغادر الجامعة قبل استكمال دراستها.

ومن بين المقترحات التي يقدمها اعتماد مرحلة أولى مدتها سنتان، يحصل الطالب بعدها على شهادة متوسطة تمكنه من الاستفادة من المعارف والمهارات التي اكتسبها في سوق العمل، حتى لو لم يستكمل البرنامج الجامعي كاملًا.

الجامعات مطالبة بالتكيف مع واقع الطلاب

تتفق الباحثة في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية مونيكا ماركينا (Mónica Marquina) مع ضرورة مراجعة التنظيم الأكاديمي، لكنها تلفت إلى أن طبيعة الطلاب الجامعيين تغيرت بصورة ملحوظة.

فبحسب تقديراتها، لا تتجاوز نسبة الطلاب الجدد الذين تقل أعمارهم عن عشرين عامًا الثلث.

وهذا يعني أن شريحة واسعة من الطلاب تلتحق بالجامعة في أعمار متقدمة نسبيًا، أو تعمل بالتوازي مع الدراسة، أو تتحمل مسؤوليات أسرية ورعائية، أو تعود إلى التعليم لتحديث مؤهلاتها المهنية.

وتوضح ماركينا أن جزءًا كبيرًا من البرامج الجامعية لا يزال مصممًا لطالب ينهي المرحلة الثانوية ثم ينتقل مباشرة إلى الجامعة، ويستطيع تخصيص عدة سنوات للدراسة بصورة أساسية.

لكن هذا النموذج لا ينسجم دائمًا مع الظروف الفعلية للطلاب.

وترى أن الخطط الدراسية ومتطلبات اجتياز المواد السابقة والجداول الزمنية وأنماط الحضور لا تراعي بصورة كافية تنوع المسارات التعليمية.

وبالتالي، فإن صعوبات التقدم في الدراسة لا ترتبط فقط بمستوى الطالب الأكاديمي، بل تتأثر أيضًا بظروفه المعيشية وبالطريقة التي تنظم بها الجامعات برامجها.

الحكومة تطالب بالرقابة وربط التمويل بالنتائج

من جانبها، تدعو وزارة رأس المال البشري الأرجنتينية إلى تنفيذ إصلاحات تتعلق بمعايير الانتظام الأكاديمي والرقابة المالية وآليات توزيع الموارد.

وتطالب الوزارة بوضع قواعد أكثر وضوحًا لتحديد وضع الطالب المنتظم، وتعزيز عمليات التدقيق في الإنفاق الجامعي، واعتماد نظام تمويل يستند إلى مؤشرات موضوعية قابلة للقياس.

ونقلت صحيفة «إنفوباي» عن مصادر رسمية أن نحو 40% من طلاب الجامعات لا تتوافر معلومات كافية عن نشاطهم الأكاديمي، أو أنهم ينجحون في أقل من مادتين دراسيتين سنويًا.

كما تشير الوزارة إلى انخفاض معدلات التخرج ووجود برامج أكاديمية لم تعد تواكب الاحتياجات الحالية.

وتدعو إلى تطوير تخصصات مرتبطة باحتياجات البلاد، إلى جانب اعتماد نظام تمويل يتسم بالشفافية وإمكانية التدقيق ويستند إلى النتائج الفعلية للمؤسسات الجامعية.

جدل حول القبول الجامعي ومستوى خريجي المدارس الثانوية

يمثل المستوى الأكاديمي للطلاب القادمين من المدارس الثانوية محورًا آخر للخلاف بشأن مستقبل الجامعات الأرجنتينية.

ويرى بعض المتخصصين أن ضعف المهارات الأساسية لدى عدد من خريجي المرحلة الثانوية ينعكس مباشرة على أدائهم الجامعي، ويزيد احتمالات الرسوب والتسرب.

ويؤكد مارسيلو رابوسي (Marcelo Rabossi)، الأستاذ في جامعة توركواتو دي تيلا، أن النظام يحتاج إلى تخطيط وطني أكثر فاعلية.

ويعتبر أن الجمع بين قانون للتعليم العالي يضمن القبول الجامعي المفتوح دون قيود، ونظام ثانوي يخرّج طلابًا يفتقر بعضهم إلى المهارات الأساسية، يؤدي إلى اختناق كبير داخل المؤسسات الجامعية.

ويقترح رابوسي رفع معدل التخرج إلى خريج واحد مقابل كل طالبين يلتحقان بالجامعة، بدلًا من المعدل الحالي الذي يقدّره بنحو خريج واحد لكل خمسة ملتحقين.

كما يدعو إلى تقليص المدة الفعلية للدراسة، بحيث لا تتجاوز المدة النظرية بأكثر من 50%، مقارنة بزيادة تقترب حاليًا من 90%.

ويقترح إجراء اختبار موحد عند نهاية المرحلة الثانوية، إلى جانب اعتماد اختبارات للقبول الجامعي تتضمن حدودًا دنيا من المعرفة وأعدادًا محددة للمقاعد، ولا سيما في التخصصات ذات المصلحة العامة.

أما الطلاب الذين لا يستوفون هذه المتطلبات، فيقترح إتاحة مسارات أولية لهم داخل معاهد التعليم العالي غير الجامعية، على أن تكون مرتبطة بالجامعات بما يسمح لهم بمواصلة دراستهم لاحقًا.

ويشدد رابوسي على أن الحق في الالتحاق بالجامعة الحكومية يقابله التزام أكاديمي، معتبرًا أن وظيفة الجامعة الأساسية ليست تعويض جميع أوجه القصور في التعليم الثانوي، بل تحقيق التميز الأكاديمي والبحث العلمي والتكوين المهني عالي الجودة.

مشروع قانون جديد قد يغير شروط الالتحاق بالجامعة

يتضمن مشروع قانون حرية التعليم الذي تدفع به الحكومة الأرجنتينية مقترحات تتعلق بتعديل آليات الانتقال من التعليم الثانوي إلى الجامعي.

وينص المشروع، الذي لم يُحدد بعد موعد لمناقشته تشريعيًا، على إنشاء الامتحان الوطني للتعليم الثانوي (ENES)، ليكون إلزاميًا للطلاب الذين ينهون هذه المرحلة.

ويمكن للجامعات استخدام نتائج الامتحان في اختيار الطلاب الجدد.

كما يقترح المشروع تعديل قانون التعليم العالي للسماح للمؤسسات الجامعية باعتماد آليات خاصة للقبول، وفق معايير تقوم على الإنصاف والمعقولية.

لكن الباحثة مونيكا ماركينا تقدم رؤية مختلفة لهذه المسألة.

فهي تقر بوجود صعوبات تعليمية لدى عدد من خريجي المدارس الثانوية، لكنها ترى أن الحل يجب أن يركز على تحسين التنسيق بين المرحلتين الثانوية والجامعية، وتعزيز الدعم الأكاديمي للطلاب، خصوصًا خلال السنوات الأولى.

وتؤكد أن ضعف المهارات الأساسية لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج أن الجامعة ليست مناسبة لهؤلاء الطلاب، بل يجب أن يدفع المؤسسات التعليمية إلى التفكير في الظروف والوسائل التي يحتاجون إليها للتعلم والتقدم.

نظام جديد للاعتمادات الجامعية يبدأ تطبيقه إلزاميًا في 2027

من الإصلاحات التي بدأت الجامعات الأرجنتينية تنفيذها اعتماد النظام الأرجنتيني للاعتمادات الأكاديمية الجامعية (SACAU)، الذي يغير طريقة احتساب الجهد الدراسي المطلوب للحصول على الشهادات.

ويشمل النظام الجامعات الحكومية والخاصة، ويعتمد على احتساب إجمالي الوقت الذي يخصصه الطالب للعمل الأكاديمي، بدلًا من الاقتصار على ساعات الحضور داخل قاعات الدراسة.

ويشمل ذلك الدراسة الذاتية والأنشطة الأكاديمية المرتبطة بالمقررات.

ويحدد النظام معيارًا عامًا يعادل 25 ساعة دراسية لكل اعتماد أكاديمي واحد.

ويهدف إلى تسهيل الاعتراف بالمقررات والمسارات التعليمية، وتمكين الطلاب من الانتقال بين التخصصات والمؤسسات الجامعية دون فقدان ما أنجزوه من دراسة.

واعتبارًا من يناير 2027، سيصبح تطبيق نظام الاعتمادات إلزاميًا بالنسبة إلى البرامج الجامعية الجديدة، فيما تشجع القواعد المعتمدة البرامج القائمة على تحديث خططها تدريجيًا.

ويرى مارسيلو رابوسي أن هذا النظام يمثل تقدمًا مهمًا، لأنه يساعد على تقليص المدة المفرطة لبعض البرامج الجامعية، ويعزز انتقال الطلاب بين التخصصات، ويفتح المجال أمام تحديث المحتوى الأكاديمي بما ينسجم مع سوق عمل سريع التغير.

كما يدعو إلى توسيع المرونة في المناهج وزيادة البرامج التدريبية القصيرة المرتبطة بالمهارات المطلوبة مهنيًا.

أكثر من ألفي معهد عالٍ خارج منظومة الاعتماد الموحدة

يقترح رابوسي توسيع نظام الاعتمادات الأكاديمية ليشمل أكثر من 2000 معهد للتعليم العالي تتبع إداريًا للمقاطعات الأرجنتينية.

وتستوعب هذه المعاهد نحو طالب واحد من كل أربعة طلاب في التعليم العالي على مستوى البلاد.

وتكتسب أهمية خاصة لأنها تتولى إعداد غالبية معلمي المدارس وجزءًا أساسيًا من القوى العاملة التقنية.

لكن رابوسي يشير إلى أن هذه المؤسسات تعمل دون آليات اتحادية موحدة للاعتماد الأكاديمي، أو جهات تقييم مماثلة للجنة الوطنية لتقييم الجامعات واعتمادها (CONEAU).

ولهذا، يدعو إلى تعزيز التكامل بين الجامعات والمعاهد العليا، وتسهيل انتقال الطلاب بينها، ومراجعة البرامج المتشابهة أو المتداخلة لتجنب ازدواجية التخصصات.

شهادات قصيرة ومسارات تعليمية أكثر مرونة

تشكل الشهادات المصغرة (Microcredenciales) أحد الاتجاهات الجديدة في تطوير التعليم العالي.

وهي شهادات تمنح بعد إكمال برامج تدريبية قصيرة تركز على معارف أو مهارات محددة، بما يسمح للأفراد بتحديث مؤهلاتهم المهنية دون الحاجة إلى دراسة برنامج جامعي كامل.

وترى مونيكا ماركينا أن الجامعات ستظل بحاجة إلى إعداد أطباء ومهندسين ومحامين وفلاسفة وغيرهم من المتخصصين الذين يحتاجون إلى تكوين أكاديمي طويل ومتعمق.

لكنها تؤكد ضرورة توسيع العروض التعليمية من حيث المحتوى والشكل والفئات المستهدفة.

وتوضح أن الشهادات المصغرة يمكن أن تكمل الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا، دون أن تكون بالضرورة جزءًا من برنامج أكاديمي تقليدي.

كما تقترح إعادة النظر في شروط اجتياز المقررات السابقة، وتوسيع خيارات المواعيد وأنماط الدراسة، والاعتراف بالخبرات والمعارف المكتسبة سابقًا.

وتدعو أيضًا إلى توفير شهادات مرحلية تسمح للطالب بالتوقف عن الدراسة والعودة إليها لاحقًا، دون خسارة الإنجازات الأكاديمية التي حققها.

وبحسب ماركينا، لم يعد من المناسب النظر إلى الجامعة باعتبارها مرحلة تعليمية واحدة في بداية الحياة المهنية، بل ينبغي أن تصبح فضاءً للتعلم المستمر يمكن العودة إليه في مراحل عمرية مختلفة.

الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة التفكير في أساليب التدريس

يشدد فرانكو بارتولاتشي على أن تحديث التعليم الجامعي لا ينبغي أن يقتصر على الخطط الدراسية والشهادات، بل يجب أن يشمل أساليب التدريس نفسها.

ويوضح أن الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات اليوم يختلفون عن الأجيال السابقة، سواء في طريقة الوصول إلى المعرفة أو التعامل مع التكنولوجيا.

ويعتبر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمثل مشكلة أو فرصة بالنسبة إلى التعليم العالي، لكن تجاهله لم يعد خيارًا ممكنًا.

ولهذا، يدعو إلى إعادة التفكير في مفهوم قاعة الدراسة وبنيتها التعليمية بمعناها الواسع، بما يسمح بتطوير طرق التدريس والتفاعل بين الطلاب والأساتذة.

البحث العلمي.. نقطة ضعف رغم السمعة الأكاديمية

يشكل البحث العلمي أحد أبرز التحديات الاستراتيجية أمام الجامعات الأرجنتينية.

فعلى الرغم من السمعة الأكاديمية الجيدة التي تتمتع بها بعض المؤسسات الجامعية في البلاد، تكشف التصنيفات الدولية عن ضعف نسبي في مؤشرات الإنتاج العلمي والتأثير البحثي.

وبحسب أحدث إصدار من تصنيف QS الإقليمي، لا توجد أي جامعة أرجنتينية ضمن أفضل 50 جامعة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من حيث الاستشهادات العلمية لكل بحث منشور.

كما لا تظهر أي جامعة أرجنتينية ضمن أفضل 90 جامعة في المنطقة من حيث عدد المنشورات العلمية لكل عضو هيئة تدريس.

أما التصنيف العالمي لمؤسسة Times Higher Education، الذي يمنح البحث العلمي وزنًا كبيرًا في تقييم المؤسسات، فيضم ثماني جامعات أرجنتينية فقط، دون وجود أي منها ضمن أفضل ألف جامعة في العالم.

وتأتي جامعتا لا بلاتا الوطنية (UNLP) وسان مارتين الوطنية (UNSAM) في أفضل المراكز بين الجامعات الأرجنتينية المدرجة، ضمن الفئة الممتدة من المركز 1801 إلى 2000 عالميًا.

تحذيرات من خسارة الكفاءات العلمية

يحذر نوربرتو فرنانديز لامارا من أن القيود المالية المفروضة على الجامعات ومؤسسات البحث العلمي تؤدي إلى إضعاف قدرة الأرجنتين على إعداد أجيال جديدة من الباحثين.

ويشير إلى تراجع أعداد المستفيدين من المنح البحثية وفرص الالتحاق بالمسار المهني للباحثين داخل المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (CONICET).

كما يلفت إلى أن باحثين أرجنتينيين مؤهلين يجدون فرص عمل برواتب أفضل في دول أخرى بأمريكا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة، ما يسمح لتلك الدول بالاستفادة من الاستثمارات التي خصصتها الأرجنتين لتكوينهم العلمي.

ويعتبر أن فقدان القدرات العلمية قد يؤدي إلى عواقب يصعب تداركها.

ويحذر من أن التأخر في البحث العلمي، في ظل السرعة الحالية للتطور التكنولوجي، قد يصبح شبه مستحيل التعويض.

وحتى في حال تغير السياسات الحكومية مستقبلًا وعودة الدعم المالي للجامعات، فإن استعادة ما فُقد من قدرات علمية ستحتاج إلى جهود كبيرة.

ويؤكد أن التنمية لا تتحقق بالاستثمارات المالية وحدها، بل تعتمد بصورة أساسية على إنتاج المعرفة والقدرة العلمية.

النقابات تطالب باستقرار تمويل البحث العلمي

من جانبها، ترى كلارا شوفالييه (Clara Chevalier)، الأمينة العامة لاتحاد نقابات أساتذة الجامعات (CONADU)، أن تطوير التعليم العالي يتطلب نقاشًا أوسع حول أولويات البحث العلمي.

وتطرح تساؤلات بشأن كيفية تحديد المجالات البحثية ذات الأولوية، والدور الذي ينبغي أن يؤديه المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية، وظروف عمل العاملين في القطاع العلمي.

كما تدعو إلى بناء منظومة مؤسسية تضمن استدامة النشاط البحثي.

وتؤكد أن عدم استقرار الموازنات يجعل التخطيط للمشروعات العلمية طويلة الأجل أكثر صعوبة، ويضعف قدرة المؤسسات على تطوير برامج بحثية مستمرة.

مشروع حكومي لتوزيع التمويل وفق مؤشرات الأداء

يتضمن مشروع قانون حرية التعليم أيضًا مقترحًا لتغيير آلية توزيع الموارد المالية بين الجامعات الوطنية.

وبحسب أحدث مسودة للمشروع، ستوزع الموازنة الجامعية وفق ثلاثة مكونات رئيسية:

  • 75% من التمويل: يُخصص وفق عدد الطلاب ومدى تقدمهم في البرامج الدراسية، استنادًا إلى تقدير العبء الدراسي المعتاد، مع مراعاة خصائص كل مؤسسة وطلابها.
  • 20% من التمويل: يُربط بمؤشرات الأداء، مثل أعداد الخريجين والإنتاج العلمي وأنشطة التواصل والخدمة المجتمعية.
  • 5% من التمويل: يُخصص لمشروعات تطوير وتحسين تستهدف تحقيق أهداف محددة.

ويعكس هذا المقترح توجه الحكومة نحو ربط جزء من التمويل بالنتائج الأكاديمية والعلمية، بدلًا من الاعتماد على المعايير التقليدية وحدها.

ومع ذلك، لا يزال المقترح جزءًا من مشروع قانون لم يدخل حيز التنفيذ.

هل يمكن إصلاح الجامعات وسط أزمة التمويل؟

يتفق عدد من الخبراء والمسؤولين الجامعيين على أن القيود المالية الحالية تعرقل تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، حتى عندما يكون هناك توافق بشأن ضرورتها.

وترى كلارا شوفالييه أن إجراءات التقشف دفعت المؤسسات الجامعية إلى التركيز على الاحتياجات العاجلة، ما أدى إلى تراجع النقاش حول التحولات الاستراتيجية الأوسع.

وتشير إلى أن محدودية الموارد اللازمة للحصول على التكنولوجيا والمستلزمات وتوظيف مزيد من الأساتذة والباحثين وتمويل المشروعات تجعل تنفيذ الإصلاحات أكثر تعقيدًا.

أما مونيكا ماركينا، فتؤكد أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمهنية تفرض مطالب جديدة على الجامعات، سواء من حيث طبيعة المعارف المطلوبة أو أساليب العمل أو المسارات الحياتية للطلاب.

وترى أن الاستجابة لهذه التحولات تحتاج إلى سياسة جامعية وطنية واضحة، تتوافر لها الموارد والاستمرارية.

ويذهب نوربرتو فرنانديز لامارا إلى أن الانشغال الدائم بتأمين الحد الأدنى من الموارد اللازمة للاستمرار يمنع المؤسسات من تحسين أدائها والتقدم.

ويؤكد أن إصلاح الجامعات يحتاج إلى جهد منهجي واسع، يصعب تحقيقه في الظروف الراهنة، رغم استمرار المؤسسات في محاولاتها للتطوير.

بدوره، يحذر فرانكو بارتولاتشي من عامل الوقت، مشيرًا إلى أن النقاش المستمر حول التمويل يبطئ تنفيذ التحولات الأكاديمية.

ويعتبر أن سرعة التغير العالمي تفرض تسريع الإصلاحات، لأن التأخر في تطبيقها قد يؤدي إلى أن تصبح الحلول المطروحة قديمة قبل أن تدخل حيز التنفيذ.

مسيرة 15 أكتوبر تعيد التمويل إلى صدارة النقاش

مع اقتراب موعد المسيرة الجامعية الفيدرالية الخامسة، يعود تمويل التعليم العالي إلى صدارة النقاش العام في الأرجنتين.

لكن خلف المطالبات المتعلقة بالموازنات والرواتب والمنح الدراسية، تبرز أسئلة أعمق بشأن مستقبل النظام الجامعي وقدرته على تحقيق نتائج تعليمية وبحثية أفضل.

فالتحدي لا يقتصر على زيادة الموارد، بل يشمل أيضًا رفع معدلات التخرج، وتحديث البرامج الدراسية، وتطوير أساليب التدريس، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع فرص التعلم المستمر.

وفي الوقت نفسه، يؤكد عدد من الخبراء ضرورة ألا تؤدي الإصلاحات إلى فقدان نقاط القوة التي يتمتع بها التعليم الجامعي الحكومي الأرجنتيني، وفي مقدمتها إتاحة فرص الدراسة لمختلف فئات المجتمع.

وبين الحاجة العاجلة إلى التمويل وضرورة التغيير الهيكلي، يبقى مستقبل الجامعات الأرجنتينية مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين الاستقرار المالي والتجديد الأكاديمي، بما يضمن استمرار دورها في إعداد الكفاءات وإنتاج المعرفة والمساهمة في التنمية الوطنية.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
كتاب دليل الارجنتين عامود
نوار كتاو Nawar Chattaw
MWAFI
شاورما النبك 3
perteneser
نوتسياس لاتيناس