الأرجنتين بالعربي – خاص:
توقعت شركة الاستشارات الاقتصادية الأرجنتينية المتخصصة في التجارة الخارجية «أبيسيب» (ABECEB) أن تسجل صادرات الأرجنتين خلال عام 2026 مستوى تاريخيًا يتراوح بين 100 و106 مليارات دولار أمريكي، مدفوعة بتوسع الأنشطة التصديرية وتنوع القطاعات المنتجة للعملات الأجنبية، في وقت لا تزال فيه قطاعات صناعية وأسر أرجنتينية تواجه صعوبات اقتصادية مرتبطة بضعف الاستهلاك والمنافسة مع الواردات.
وجاءت هذه التوقعات على لسان ماريانا كامينو، رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية لشركة ABECEB، خلال مقابلة تلفزيونية مع منصة «إنفوباي»، تناولت فيها التحولات الجارية في الاقتصاد الأرجنتيني وآفاق التجارة الخارجية والاستثمار والنمو.
وأكدت كامينو أن الاقتصاد الأرجنتيني يشهد تغيرات هيكلية مهمة، لكنها حذرت من تفسير الوضع الاقتصادي اعتمادًا على المؤشرات الإجمالية وحدها، نظرًا إلى التفاوت الكبير بين القطاعات التي تحقق نموًا وتلك التي تعاني من تراجع المبيعات وفقدان فرص العمل.
وأوضحت أن التحسن المتوقع في الصادرات لا يعني بالضرورة تعافي جميع الأنشطة الاقتصادية، مشيرة إلى أن القدرة الشرائية للأسر وفرص الاستهلاك تختلف بصورة واضحة بين المناطق والقطاعات الإنتاجية.
أربعة محركات رئيسية تدعم الصادرات الأرجنتينية
اعتبرت كامينو أن أحد أبرز التحولات الاقتصادية يتمثل في تراجع الاعتماد الحصري على القطاع الزراعي بوصفه المصدر الأساسي للعملات الأجنبية.
وأشارت إلى أن الاقتصاد الأرجنتيني اعتمد تاريخيًا على قطاع تصديري رئيسي، يتمثل في الزراعة والأنشطة المرتبطة بها، التي كانت توفر الجزء الأكبر من الإيرادات الدولارية خلال فترة محددة من العام.
أما اليوم، فبحسب تحليلها، أصبح الاقتصاد يمتلك أربعة محركات رئيسية لتوليد العملات الأجنبية، ما يعكس تنوعًا أكبر في مصادر الصادرات.
ورأت أن هذا التحول قد يوفر قاعدة أكثر استقرارًا للتجارة الخارجية، من خلال توسيع الأنشطة القادرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.
وتوقعت أن تتراوح قيمة الصادرات الإجمالية خلال العام بين 100 و106 مليارات دولار، وهو مستوى من شأنه، إذا تحقق، تجاوز الأرقام التاريخية السابقة.
لكنها شددت على ضرورة قراءة هذه التوقعات إلى جانب تطور الميزان التجاري، لأن أهمية الصادرات لا تقتصر على إجمالي الدولارات المتدفقة إلى البلاد، بل تشمل أيضًا الفائض المتبقي بعد احتساب قيمة الواردات.
فائض التجارة الخارجية لا ينهي المشكلات المالية
أوضحت رئيسة ABECEB أن تحسن أداء القطاع الخارجي يشكل مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا، لكنه لا يكفي بمفرده لمعالجة جميع التحديات المالية التي تواجه الأرجنتين.
وأشارت إلى أن مؤشر مخاطر الدولة كان يدور حول 681 نقطة أساس خلال المقابلة، وهو مستوى يعكس استمرار المخاوف لدى الأسواق المالية بشأن قدرة البلاد على المحافظة على استقرار سياستها الاقتصادية والوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالديون.
وربطت جزءًا من التقلبات المالية بالتطورات الدولية، ولا سيما ارتفاع تكلفة الائتمان وتأثير قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على شروط التمويل.
كما أشارت إلى عوامل داخلية تؤثر في توقعات المستثمرين، من بينها النقاشات الانتخابية المبكرة وحالة الترقب المرتبطة بمسار التحولات الاقتصادية الجارية.
وميّزت كامينو بين التقلبات قصيرة الأجل والمؤشرات التي تعكس تغيرات أكثر عمقًا في بنية الاقتصاد.
فبينما تندرج التحركات المالية السريعة والنقاشات السياسية ضمن العوامل التي تولد اضطرابات مؤقتة، اعتبرت أن نمو الصادرات ودخول شركات جديدة إلى الأسواق الخارجية وتوسع الاستثمارات الإنتاجية تمثل إشارات إلى تحولات اقتصادية طويلة الأمد.
سبعة آلاف شركة صغيرة ومتوسطة تشارك في التصدير
سلطت كامينو الضوء على الدور المتنامي للشركات الصغيرة والمتوسطة في التجارة الخارجية الأرجنتينية.
ووفق البيانات التي عرضتها، تشارك نحو 7,000 شركة صغيرة ومتوسطة في النشاط التصديري، بإجمالي صادرات متراكم خلال العام يقترب من 8.3 مليارات دولار.
واعتبرت أن أهمية هذه المشاركة لا تقتصر على القيمة المالية للصادرات، بل تمتد إلى دخول عدد أكبر من الشركات الأرجنتينية في سلاسل التجارة الدولية.
وأوضحت أن الوصول إلى الأسواق الخارجية يتطلب الالتزام بمعايير الجودة والإنتاجية والقدرة على تلبية الطلب، ما قد يدفع الشركات إلى تطوير عملياتها الإنتاجية وتحسين قدرتها التنافسية.
كما أن استمرار هذه الشركات في التصدير يمكن أن يفتح أمامها فرصًا للتوسع وزيادة الإنتاج والوصول إلى عملاء جدد خارج السوق المحلية.
لكن كامينو حذرت من أن هذه المؤشرات الإيجابية تتزامن مع استمرار الصعوبات لدى قطاعات أخرى لم تتمكن بعد من استعادة مستويات النشاط المطلوبة.
توقعات النمو الاقتصادي تتراجع إلى 1.8%
رغم التوقعات المرتفعة للصادرات، خفضت ABECEB تقديراتها لنمو الاقتصاد الأرجنتيني خلال عام 2026 إلى 1.8%، وهو مستوى أقل من التوقعات التي كانت مطروحة في بداية العام.
وتأتي هذه التقديرات في ظل اختلاف توقعات المؤسسات الاقتصادية بشأن أداء الناتج المحلي الإجمالي.
فقد أظهر استطلاع توقعات السوق الصادر عن البنك المركزي الأرجنتيني تقديرًا للنمو بنسبة 1.5%، بينما خفض صندوق النقد الدولي توقعاته إلى 2.1%.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الحذر بشأن وتيرة التعافي الاقتصادي، على الرغم من التحسن المتوقع في التجارة الخارجية.
واعتبرت كامينو أن مراجعة تقديرات النمو تؤكد وجود قطاعات اقتصادية لا تزال تعاني من الركود أو ضعف النشاط.
وأشارت إلى أن الاقتصاد الأرجنتيني لا يتحرك بوتيرة واحدة، إذ تحقق بعض الأنشطة توسعًا في الإنتاج والاستثمار، بينما تواجه أنشطة أخرى تراجعًا في الطلب وصعوبات في الحفاظ على مستويات التشغيل.
الانفتاح التجاري يفرض تحديات جديدة على الصناعة
تناولت كامينو تأثير سياسة الانفتاح الاقتصادي وزيادة المنافسة مع المنتجات المستوردة على الشركات الصناعية الأرجنتينية.
وأوضحت أن العديد من الشركات كانت تعتمد خلال السنوات السابقة على ظروف اقتصادية سمحت لها بالحفاظ على هوامش الربح من خلال آليات مالية أو تشوهات في أسعار الصرف أو التضخم أو القيود المفروضة على المعروض من السلع.
لكن هذا النموذج بدأ يتغير مع اتساع المنافسة في الأسواق المحلية.
وأشارت إلى أن الشركات أصبحت مطالبة بتحسين إنتاجيتها وتخفيض تكاليفها وتطوير منتجاتها، بدلًا من الاعتماد على الظروف الاقتصادية التي كانت تحد من المنافسة.
وشددت على أن الأسعار في الاقتصاد الأكثر انفتاحًا لا تحددها الشركات بصورة منفردة، لأن المستهلك يستطيع المقارنة بين المنتجات المحلية والمستوردة من حيث السعر والجودة والكفاءة.
ويفرض هذا الواقع على المؤسسات الصناعية إعادة النظر في استراتيجياتها الإنتاجية والتجارية، خصوصًا في القطاعات التي تواجه منافسة مباشرة من المنتجات الأجنبية.
صناعة الآلات الزراعية تواجه منافسة الواردات
قدمت كامينو صناعة الآلات والمعدات الزراعية مثالًا على التحديات التي تواجه الصناعة الأرجنتينية.
فعلى الرغم من ارتباط هذا القطاع بأحد أهم الأنشطة الاقتصادية في البلاد، فإنه يواجه منافسة متزايدة من المعدات المستوردة، بما فيها الآلات المستعملة.
ولا تقتصر آثار هذه المنافسة على المصانع الموجودة في الضواحي الصناعية لمقاطعة بوينس آيرس، بل تمتد إلى مقاطعات أخرى تمتلك قاعدة صناعية مرتبطة بالقطاع الزراعي.
ومن أبرز هذه المناطق قرطبة وسانتا في، حيث تشكل صناعة المعدات والآلات الزراعية جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي المحلي.
وأوضحت كامينو أن قدرة الشركات على التكيف مع المنافسة الجديدة تعتمد على الاستثمار في التكنولوجيا وتحديث أساليب الإنتاج وتحسين الكفاءة.
كما يتطلب هذا التحول وقتًا وظروفًا اقتصادية تسمح للشركات بإعادة تنظيم أعمالها دون التعرض لخسائر يصعب تعويضها.
الضرائب والتكاليف التنظيمية ضمن تحديات الشركات
اعتبرت رئيسة ABECEB أن تحسين القدرة التنافسية لا يعتمد فقط على القرارات التي تتخذها الشركات داخل مصانعها ومؤسساتها.
فثمة عوامل عامة تؤثر في تكلفة الإنتاج، من بينها النظام الضريبي والمتطلبات التنظيمية والأعباء المرتبطة بممارسة الأعمال.
وأشارت إلى أهمية معالجة ما يُعرف اقتصاديًا باسم «التكلفة الأرجنتينية»، وهو تعبير يُستخدم للإشارة إلى مجموعة التكاليف الهيكلية التي قد تضعف القدرة التنافسية للشركات المحلية.
ورأت أن تسهيل عملية إعادة هيكلة المؤسسات الإنتاجية يتطلب بيئة تسمح بالاستثمار والتحديث ورفع الإنتاجية.
كما أن التحول نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا يفرض تحديات مختلفة على الشركات بحسب حجمها وطبيعة نشاطها وقدرتها المالية على تمويل التغييرات المطلوبة.
التضخم وضعف الاستهلاك يضغطان على الأسر
رغم التحسن المتوقع في التجارة الخارجية، أكدت كامينو أن السوق الداخلية لا تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالدخل والاستهلاك.
وأشارت إلى أن التضخم الشهري، الذي يدور حول 1.9%، يواصل الضغط على ميزانيات الأسر والأجور والقدرة الشرائية.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه بعض العائلات صعوبة في تغطية نفقاتها الشهرية، بينما تتمكن عائلات أخرى من الاستفادة من التحسن الذي تشهده قطاعات اقتصادية معينة.
وشددت على أن هذا التفاوت يجعل من غير الدقيق الحديث عن تعافٍ اقتصادي يشمل جميع السكان بالمستوى نفسه.
فالمؤشرات الإيجابية لدى الشركات المصدرة أو القطاعات الاستثمارية لا تعكس بالضرورة أوضاع العاملين في الأنشطة التي تعاني من انخفاض المبيعات أو تراجع فرص العمل.
واعتبرت أن الحاجة إلى تعزيز السيولة وتوسيع التمويل تعكس استمرار الحاجة إلى تنشيط الطلب الداخلي.
تفاوت اقتصادي بين القطاعات والمناطق
حذرت كامينو من الاعتماد على متوسطات النمو والإنتاج والاستهلاك لتوصيف الوضع الاقتصادي في الأرجنتين.
وأوضحت أن الظروف تختلف بين الأسر وفقًا لمناطق إقامتها والقطاعات التي يعمل أفرادها فيها.
ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض الأنشطة من ارتفاع الصادرات وتدفق الاستثمارات، تواجه أنشطة أخرى تحديات مرتبطة بالمنافسة الأجنبية وضعف الطلب المحلي.
كما أن فقدان فرص العمل في بعض القطاعات يمكن أن يتزامن مع توسع فرص الاستثمار والإنتاج في قطاعات أخرى.
ورأت أن فهم هذه التباينات ضروري لتقييم مسار الاقتصاد، لأن تحسن المؤشرات الإجمالية قد يخفي صعوبات مستمرة لدى شرائح من السكان.
وأكدت أهمية أن تنعكس التحولات الاقتصادية بصورة أوسع على مختلف فئات المجتمع، مع الاعتراف بأن وتيرة التحسن ليست متساوية بين الجميع.
إلغاء القيود وحوافز الاستثمار ضمن التحولات الهيكلية
تناولت كامينو أيضًا أثر الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تخفيف القيود التنظيمية وتشجيع الاستثمار.
وأشارت إلى نظام الحوافز للاستثمارات الكبرى، المعروف باسم «ريجي» (RIGI)، بوصفه إحدى الأدوات التي يمكن أن توفر قدرًا من الاستقرار والوضوح للمشروعات الاستثمارية المؤهلة.
كما اعتبرت أن إجراءات إلغاء بعض القيود التنظيمية قد تساهم في تغيير البيئة الاقتصادية وتشجيع الأنشطة الإنتاجية.
لكنها نبهت إلى أن التحدي لا يقتصر على المشروعات الكبرى المستفيدة من الحوافز الخاصة، بل يشمل أيضًا الشركات التي لا تدخل ضمن نطاق هذه البرامج.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توفير ظروف تسمح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الصناعية التقليدية بالتكيف مع التغيرات الاقتصادية.
منتدى اقتصادي في بوينس آيرس لمناقشة مستقبل الاستثمار
خلال المقابلة، أعلنت كامينو عن تنظيم منتدى ABECEB في الخامس من نوفمبر 2026 بمنطقة بويرتو ماديرو في مدينة بوينس آيرس.
ومن المقرر أن يجمع المنتدى رؤساء سابقين ورجال أعمال وخبراء اقتصاديين لمناقشة التطورات الدولية وتأثيراتها على أمريكا اللاتينية والأرجنتين.
كما ستتناول جلساته القرارات الاستثمارية والتحديات التي تواجه الشركات في عمليات إعادة الهيكلة والتكيف مع التغيرات الاقتصادية.
ويتضمن البرنامج عروضًا تتعلق بالذكاء الاصطناعي وقطاع الخدمات، إلى جانب مناقشات حول مستقبل الأعمال والتحولات في الأسواق العالمية.
ويأتي انعقاد المنتدى في مرحلة تشهد فيها الأرجنتين تغيرات اقتصادية مهمة، مع توسع بعض الأنشطة التصديرية واستمرار التحديات المرتبطة بالنمو والاستهلاك والتنافسية الصناعية.
صادرات قياسية محتملة وتعافٍ اقتصادي غير متوازن
تعكس توقعات ABECEB صورة اقتصادية تجمع بين فرص توسع التجارة الخارجية واستمرار التحديات في قطاعات الإنتاج والاستهلاك.
فبلوغ الصادرات مستوى يتراوح بين 100 و106 مليارات دولار خلال عام 2026 سيمثل، إذا تحقق، إنجازًا تاريخيًا في قيمة المبيعات الخارجية للأرجنتين.
كما أن مشاركة آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأسواق الدولية تشير إلى اتساع قاعدة النشاط التصديري، وعدم اقتصار توليد العملات الأجنبية على الأنشطة التقليدية.
لكن هذه المؤشرات تتزامن مع توقعات نمو اقتصادي متواضعة نسبيًا، وضغوط على الأجور والاستهلاك، وتحديات تواجه الصناعات المحلية في ظل المنافسة مع المنتجات المستوردة.
وتبرز من هذه المعطيات أهمية التمييز بين التحسن في التجارة الخارجية وبين التعافي الاقتصادي الشامل، إذ يبقى مدى انتقال مكاسب الصادرات والاستثمارات إلى مختلف القطاعات والأسر أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأرجنتيني خلال المرحلة المقبلة.






