الأرجنتين بالعربي – خاص:
بدأت الأرجنتين تعزيز استعداداتها لمواجهة التداعيات المحتملة لظاهرة النينيو (El Niño)، التي يؤكد العلماء أنها بدأت بالفعل، فيما يُتوقع أن يظهر تأثيرها المناخي بصورة أكثر قوة في أميركا الجنوبية خلال النصف الثاني من العام.
وفي إطار هذه الاستعدادات، أنشأت السلطات الأرجنتينية نظامًا وطنيًا جديدًا للمراقبة والاستجابة الصحية، يجمع بين برامج التحليل الجغرافي المكاني، والمستشفيات المتنقلة، وتبادل البيانات بين المقاطعات والتنسيق على المستوى الفيدرالي، بهدف توقع المخاطر والتدخل بصورة سريعة في المناطق الأكثر عرضة للتأثر.
وجرى تطوير الاستراتيجية الجديدة من قبل الوكالة الفيدرالية للطوارئ (Agencia Federal de Emergencias) بالتنسيق مع وزارة الصحة الوطنية، فيما تشكل غرفة المراقبة التي أُنشئت داخل المديرية الوطنية للطوارئ المركز الرئيسي للنظام الجديد.
مراقبة المخاطر على الخرائط بدلًا من الجداول
يعتمد النظام على أربعة برامج معلوماتية مترابطة؛ ثلاثة منها مخصصة لجمع المعلومات، بينما يقوم البرنامج الرابع بتحليل البيانات وعرضها مباشرة على الخرائط باستخدام تحديد المواقع الجغرافية.
وبذلك، يمكن للفرق المختصة الانتقال من تحليل البيانات التقليدي عبر جداول الحساب إلى رؤية جغرافية مباشرة للمخاطر والموارد الصحية المتاحة، ما يساعد على تسريع القرارات وتوجيه الإمكانات إلى المناطق التي تحتاج إليها.
ويتيح النظام كذلك للمقاطعات إدخال بياناتها والاستفادة من التحليلات، فيما ترسل وزارة الصحة تقارير دورية إلى الفرق المحلية لمساعدتها على توقع السيناريوهات المحتملة وتعديل خطط الطوارئ وفق تطورات الوضع.
ولا يقتصر النظام على المخاطر الصحية المرتبطة بالنينيو، إذ تستخدم الوكالة الفيدرالية للطوارئ برنامجًا إضافيًا مخصصًا للدفاع المدني والإطفاء والجهات الأخرى المعنية بإدارة الأزمات، بما يسمح بالتعامل بصورة متكاملة مع الفيضانات وحرائق الغابات والعواصف والمخاطر البركانية.
ثلاثة مستويات للاستجابة الصحية
أعادت السلطات أيضًا تصميم آلية الانتشار الميداني للطواقم الطبية، بحيث أصبح النظام يعمل وفق ثلاثة مستويات للتدخل: الدوريات الصحية المتنقلة، ونقاط الاستقرار الطبي المتقدمة، والمستشفيات المعيارية المتنقلة ذات التعقيد الطبي المتوسط والمنخفض.
ويمكن نشر هذه الوحدات تدريجيًا وفق حجم الكارثة وعدد الأشخاص المحتاجين إلى الرعاية، بهدف دعم الأنظمة الصحية المحلية ومنع اكتظاظ المستشفيات الرئيسية.
وقد اختُبر هذا النموذج خلال فيضانات باهيا بلانكا (Bahía Blanca) العام الماضي، عندما تمكن المستشفى المتنقل ERMEH من استيعاب نحو 90% من الطلب على الرعاية الصحية، ما سمح للمستشفى الرئيسي بالاحتفاظ بقدرته على استقبال الحالات الأكثر تعقيدًا.
كما استُخدمت الاستراتيجية في حالات حرائق الغابات والتجمعات البشرية الكبيرة، ومن بينها تجربة في Tumbaya بمقاطعة Jujuy، حيث أُقيم مستشفى عند قاعدة الجبل لتوفير خدمات الطوارئ في منطقة تفتقر إلى موارد صحية قريبة.
مستشفيات متنقلة خلال 72 ساعة
تتمثل إحدى أهم ميزات الخطة في سرعة الانتشار. إذ يمكن نقل الفرق والمعدات برًا خلال أقل من 72 ساعة، أو جوًا عندما تتطلب حالة الطوارئ ذلك، وبعد الوصول يمكن جعل المنشآت الطبية جاهزة للعمل بالكامل خلال نحو أربع ساعات.
ويضم كل مستشفى معياري 60 سريرًا، وأربعة أسرّة للصدمات والحالات الحرجة، وأربعة أسرّة للعناية المركزة، ووحدة للرعاية العامة، ما يسمح بالتعامل مع الحالات البسيطة وكذلك المرضى الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى لفترات قصيرة.
شبكة تربط المقاطعات بالحكومة الوطنية
وتشكل منصة Virtual SICOM عنصرًا أساسيًا في النظام، إذ تسمح لكل مقاطعة بإدخال معلومات حول الموارد التي تمتلكها والتخطيط بالتعاون مع السلطات الوطنية لتعزيز المناطق التي قد تتعرض للخطر.
والهدف هو تنسيق عمل المستشفيات المتنقلة والدوريات الصحية ونقاط الاستقرار الطبي وفق حجم وموقع كل حالة طوارئ، مع السعي إلى ضمان مستوى متقارب من جودة الاستجابة في مختلف أنحاء البلاد.
أين يُتوقع أن يكون تأثير النينيو أكبر؟
بحسب المعطيات التي تستند إليها الخطة، يُتوقع أن تتركز التأثيرات بصورة خاصة في منطقة الساحل النهري (Litoral)، وشمال الأرجنتين وأجزاء من منطقة جبال الأنديز، ولا سيما خلال نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول، مع إمكانية تغير المناطق المتأثرة وفق تطور الظروف المناخية.
وتشير السوابق التاريخية الواردة في التقرير إلى أن ظاهرة النينيو يمكن أن تزيد تواتر الأمطار الغزيرة بنحو 60%، وأن تؤدي إلى فيضانات مفاجئة وارتفاع مناسيب الأنهار وانهيارات أرضية.
ويراقب المختصون مؤشرات مرتبطة بدرجات حرارة المحيط والظروف الجوية، ويقارنون البيانات بالأنماط التي ظهرت خلال موجات النينيو الكبرى السابقة، ومنها أحداث 1982-1983 و1997-1998 و2016-2017.
وتوضح وزارة الصحة أن معرفة وجود ظاهرة نينيو قوية أو شديدة القوة لا تعني إمكانية تحديد موقع وتوقيت كل حدث متطرف قبل فترة طويلة، وإنما تزداد دقة التنبؤ كلما اقترب موعد الحدث.
تحديد المستشفيات والمناطق المعرضة للخطر مسبقًا
تسمح التكنولوجيا الجديدة بمحاكاة سيناريوهات مختلفة على الخرائط وتحديد المستشفيات والمراكز الصحية التي قد تتأثر، ما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية مثل تنظيف قنوات تصريف المياه، وتعزيز مخزون المستلزمات الطبية، وإعادة توزيع الطواقم قبل وقوع الحدث.
كما يجري التنسيق بين قطاع الصحة والدفاع المدني وفرق الإطفاء والجهات الحكومية الأخرى، ويمكن عند الضرورة تفعيل قيادة عمليات موسعة تضم وزارات أخرى، مثل الاقتصاد أو البنية التحتية، وفق طبيعة الأزمة.
مراقبة الأوبئة بعد الكوارث
ولا تقتصر الخطة على مواجهة الأضرار المباشرة للفيضانات والعواصف، بل تتضمن أيضًا مراقبة المخاطر الوبائية التي قد تظهر نتيجة الكوارث المناخية.
وتسمح الأنظمة المعلوماتية بتحديد المواقع الجغرافية للمرضى، واكتشاف المؤشرات الأولية لاحتمال ظهور بؤر مرضية، والمساعدة في تنظيم حملات التطعيم ومكافحة ناقلات الأمراض.
ويتم تبادل المعلومات بصورة فورية، ما يتيح للسلطات محاولة احتواء البؤر في مراحلها الأولى ومنع تحول حالة الطوارئ المناخية إلى أزمة صحية عامة.
كما تشمل منصة المراقبة مخاطر أخرى، من بينها النشاط البركاني وحرائق الغابات والعواصف ورياح الزوندا (Viento Zonda)، بحيث تظهر البيانات على خرائط تفاعلية تسمح بتكوين صورة متكاملة للمخاطر التي تواجه كل منطقة.
اجتماعات وتدريب مستمر في المقاطعات
تواصل وزارة الصحة والوكالة الفيدرالية للطوارئ عقد اجتماعات دورية مع سلطات المقاطعات بهدف تعديل بروتوكولات الاستجابة وتدريب الفرق المحلية.
وتسعى الاستراتيجية إلى الاستفادة من الموارد الموجودة أصلًا في مختلف أنحاء البلاد، وخفض التكاليف، وتحقيق استجابة صحية سريعة ومتناسقة عند وقوع أحداث مرتبطة بالنينيو أو كوارث مناخية أخرى.
ويمثل إنشاء منظومة الإنذار والاستجابة المبكرة تحولًا في إدارة حالات الطوارئ الصحية في الأرجنتين، إذ تجمع الخطة بين التكنولوجيا، وتبادل المعلومات على المستوى الفيدرالي، والقدرة السريعة على نشر الموارد الطبية، في محاولة للحد من تأثير الظواهر المناخية الشديدة والحفاظ على قدرة النظام الصحي على العمل عند وقوع الأزمات.



