الأرجنتين بالعربي – خاص: دفعت الصعوبات التي واجهتها الحكومة الأرجنتينية خلال مناقشة قانون حرمة الملكية الخاصة، واضطرارها إلى حذف الفصلين المتعلقين بالأراضي وإدارة الحرائق للحصول على نصف الموافقة التشريعية في مجلس الشيوخ، الائتلاف الحاكم إلى إجراء مراجعة داخلية لطريقة تقديم مشاريعه والتفاوض عليها في الكونغرس.
ولخّص أحد نواب La Libertad Avanza المشكلة بالقول إن الحكومة تمر «بلحظة جيدة، لكننا نتواصل بشكل سيئ»، في إشارة إلى قناعة بدأت تتبلور داخل السلطة التنفيذية بأن جزءاً من الانتكاسة لم يكن مرتبطاً فقط بمضمون المشروع، وإنما بالطريقة التي قُدم بها للرأي العام والقوى السياسية.
وبعد نجاح الحكومة في تمرير المشروع في المحاولة الرابعة، ولكن بعد التخلي عن أجزاء أساسية منه، تقرر مراجعة آلية التعامل مع المبادرات التشريعية المقبلة لتجنب تكرار التجربة.
تقديم المشاريع للرأي العام قبل إرسالها إلى النقاش
تعتزم الحكومة الاستفادة من الطريقة التي استخدمتها سابقاً لشرح مشروع إصلاح البنك المركزي الأرجنتيني (BCRA) والتعديلات المرتبطة بنظام «البراءة الضريبية» (Inocencia Fiscal).
وكان الرئيس خافيير ميلي قد تولى شخصياً جانباً كبيراً من الترويج لإصلاح البنك المركزي، من خلال خطاب متلفز على المستوى الوطني، ومقال صحفي، إضافة إلى سلسلة من المقابلات الإعلامية.
وقال نائب من الحزب الحاكم إن «خافيير تولى مسؤولية التواصل بنفسه وشرح كل شيء بالتفصيل»، لكنه أقر بأن استمرار الرئيس شخصياً في أداء هذا الدور «يفرض عليه استنزافاً هائلاً».
وترى الحكومة أن تجربة مشروع البراءة الضريبية كانت أيضاً أكثر تنظيماً، إذ تولى وزير الاقتصاد لويس كابوتو تقديمه في مؤتمر صحفي بمشاركة محاسبين شاركوا في صياغة مواده.
وبناء على ذلك، اتُخذ قرار بأن يجري مستقبلاً تقديم كل مشروع حكومي وشرحه علناً قبل بدء مناقشته في الكونغرس، بهدف الحد من التأويلات وإيضاح الغاية التي تسعى إليها الحكومة من كل تشريع.
كارينا ميلي تشرف على توقيت المشاريع
أدت جلسة مجلس الشيوخ المضطربة إلى مراجعة داخل الطاولة السياسية للحكومة، التي ستتولى مهمة إضافية بناء على توجيهات الأمينة العامة للرئاسة كارينا ميلي.
وبحسب مصادر حكومية، ستُعرض المشاريع على الطاولة السياسية لتقييم تفاصيلها وتحديد التوقيت الأنسب لإرسال كل منها إلى الكونغرس.
وتريد الحكومة بهذه الآلية منع تراكم المبادرات أو إرسال مشاريع حساسة في ظروف سياسية لا تتوافر فيها الأصوات الكافية لإقرارها.
جدل الأراضي كشف أخطاء في التواصل
جاءت المراجعة بعدما أثار الفصل المتعلق ببيع الأراضي موجة اعتراضات امتدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وشاركت فيها شخصيات فنية معروفة مثل Lali وTini Stoessel وEmilia Mernes.
وأقر مصدر من الائتلاف الحاكم بوقوع أخطاء عديدة في التعامل مع المشروع، قائلاً إن الحكومة لم تمتلك متحدثاً جيداً لشرحه، كما اختلطت عدة نقاشات ببعضها، ووصل الأمر إلى تغيير اسم المشروع والتعامل معه إعلامياً باعتباره «قانون الأراضي» بدلاً من التركيز على مفهوم حماية الملكية الخاصة الذي يمثل أحد المبادئ الأساسية للحكومة.
وأشار مسؤول آخر إلى أن المشروع كان طموحاً للغاية، لكنه كان جاهزاً للمناقشة قبل نحو شهر ونصف عندما كانت الحكومة تمتلك دعماً سياسياً أكبر لتمريره.
وكان الفصل الخاص بالأراضي يتضمن إمكانية رفع سقف ملكية الأجانب للأراضي الريفية إلى 25%، وهو ما أثار اعتراضات سياسية، بما في ذلك من بعض حكام المقاطعات.
مخاوف من اقتراب الانتخابات
رغم حصول الحكومة على نصف الموافقة التشريعية في مجلس الشيوخ، فإن النتيجة اعتُبرت داخل بعض أوساط السلطة «انتصاراً باهظ الثمن»، بعدما اضطرت إلى تقديم تنازلات كبيرة.
كما كشفت المناقشات عن تغير محتمل في العلاقة بين الحكومة وبعض حكام المقاطعات الذين سبق أن تعاونوا معها، الأمر الذي أثار مخاوف مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وقال أحد المشرعين الحكوميين إن المشاريع بدأت تتراكم، مضيفاً: «علينا أن ننظم أنفسنا، لأنه كلما مر الوقت أصبحنا أقرب إلى الانتخابات».
وفي أوساط الحكومة، هناك أيضاً من يرى أن وتيرة تنفيذ الإصلاحات أصبحت أبطأ مقارنة بالمرحلة الأولى من ولاية ميلي، عندما كان المستشار الرئاسي سانتياغو كابوتو يتمتع بتأثير أكبر في تحديد الاستراتيجية السياسية.
أكثر من 15 مسودة للمشروع
ومن المقرر أن تعقد الطاولة السياسية اجتماعاً جديداً الثلاثاء عند الساعة الواحدة ظهراً لإعادة ترتيب آلية العمل.
وقد يشارك وزير إلغاء القيود والتحول الحكومي فيديريكو ستورزينيغر في الاجتماع، بعد أن أدت التعديلات المتكررة على مشروع الملكية الخاصة إلى إعداد أكثر من 15 مسودة مختلفة، وسط توترات داخلية بينه وبين السيناتورة باتريسيا بولريتش، التي تولت التفاوض مع الكتل الحليفة لتأمين الأصوات اللازمة.
وتتمثل الخطوة الثالثة التي قررتها الطاولة السياسية في إعطاء الأولوية للمشاريع التي تمتلك الحكومة بالفعل الأصوات اللازمة لإقرارها، بهدف استعادة المبادرة السياسية والتشريعية.
البنك المركزي والبراءة الضريبية في مقدمة الأولويات
بعد تأجيل مناقشة قانون حرمة الملكية الخاصة في مجلس النواب، تستعد الغرفة التي يرأسها مارتين مينيم لعقد جلسة في 26 أغسطس/آب.
وتسعى الحكومة خلال الجلسة إلى مناقشة ثلاثة ملفات رئيسية: التعديلات على البنك المركزي الأرجنتيني، مشروع البراءة الضريبية الثاني (Inocencia Fiscal II)، ومعاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT).
وفي موازاة التحرك داخل الكونغرس، يسعى الجهاز التنفيذي إلى إعادة ترميم علاقته مع حكام المقاطعات.
ومن المقرر أن يسافر رئيس مجلس الوزراء دييغو سانتيلي برفقة وزير الاقتصاد لويس كابوتو إلى كاتاماركا للاجتماع مع حاكم المقاطعة راؤول خليل وحاكم سانتياغو ديل إستيرو إلياس سواريز.
وكان خليل من أوائل حكام المقاطعات الذين رفضوا الفصل المتعلق بزيادة إمكانية تملك الأجانب للأراضي الريفية.
وتسعى حكومة ميلي الآن إلى منع انتقال تداعيات ما جرى في مجلس الشيوخ إلى بقية أجندتها التشريعية، خصوصاً مع تراكم المشاريع واقتراب البلاد تدريجياً من الموسم الانتخابي.
وترغب الحكومة في تحويل تجربة قانون الملكية الخاصة والأراضي إلى درس سياسي وإعلامي يساعدها على استعادة سرعة تمرير الإصلاحات وتحقيق الهدف الذي ترفعه للمرحلة الحالية، والمتمثل في جعلها، بحسب توصيفها، «العام الأكثر إصلاحاً في التاريخ».



