دليل الارجنتين 2

بعد حكم قضائي مثير للجدل في سان نيكولاس.. مشروع قانون أرجنتيني لتجريم الحصار النقابي للشركات وفرض عقوبات بالسجن

بعد حكم قضائي مثير للجدل في سان نيكولاس.. مشروع قانون أرجنتيني لتجريم الحصار النقابي للشركات وفرض عقوبات بالسجن

الأرجنتين بالعربي – خاص:

تستعد النائبة الأرجنتينية فيرونيكا رازيني، المنتمية إلى حزب الحرية تتقدم الذي يقوده الرئيس خافيير ميلي، لإعادة تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب خلال الأيام المقبلة، يهدف إلى تجريم عمليات الحصار التي تنفذها النقابات العمالية ضد الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية، وفرض عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر.

ويأتي التحرك التشريعي عقب حكم قضائي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية، أصدره القاضي أليخاندرو لوبيز في مدينة سان نيكولاس بمقاطعة بوينس آيرس، وقضى بتبرئة قيادي في نقابة سائقي الشاحنات وعدد من المتهمين الآخرين في قضية حصار شركة خاصة عام 2021.

وترى رازيني أن الحكم كشف عن ثغرات في الإطار القانوني الحالي، تستدعي وضع نصوص جنائية أكثر وضوحًا لتحديد المسؤولية عن تعطيل عمل المؤسسات الاقتصادية، ومنع تكرار أحكام قضائية مماثلة.

عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات ونصف

يتضمن المشروع المقترح تعديلًا على قانون العقوبات الأرجنتيني، من خلال إدراج نصوص خاصة بتجريم نوعين من الحصار الذي يستهدف المؤسسات الاقتصادية، هما الحصار المباشر والحصار غير المباشر.

وينص المشروع على معاقبة كل من يمنع أو يعرقل أو يعوق الوصول إلى منشأة تجارية أو صناعية أو أي مؤسسة أخرى، بقصد تحقيق منفعة شخصية أو لصالح أطراف ثالثة، أو التسبب بضرر، بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات وستة أشهر.

أما الحصار غير المباشر، فيقترح المشروع معاقبة مرتكبيه بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات.

ويشمل هذا النوع من الممارسات استخدام التهديدات أو فرض مطالب تتجاوز المتطلبات القانونية على الموردين أو مقدمي الخدمات أو العملاء أو أي طرف آخر يرتبط بالمؤسسة المستهدفة، بهدف تعطيل نشاطها التجاري أو الإنتاجي بصورة غير مباشرة.

وبذلك، لا يقتصر نطاق التجريم المقترح على منع الدخول الفعلي إلى المؤسسات، بل يمتد إلى الممارسات التي تستهدف تعطيل عملياتها من خلال الضغط على الأطراف المرتبطة بها اقتصاديًا.

عقوبات مالية وإدارية على النقابات والمنظمات المتورطة

لا يقتصر المشروع على المسؤولية الجنائية للأفراد، بل يتضمن أيضًا أحكامًا تستهدف النقابات والشركات والمنظمات التي تروج لعمليات الحصار أو تسهل تنفيذها.

ويقترح إخضاع هذه الجهات للعقوبات المنصوص عليها في المادة 304 من قانون العقوبات الأرجنتيني، والتي تشمل غرامات مالية تتراوح بين ضعفي قيمة الأموال المرتبطة بالجريمة وعشرة أضعافها.

كما تتضمن العقوبات المحتملة تعليق أنشطة الجهة المعنية بصورة كلية أو جزئية لمدة لا تتجاوز عشر سنوات، وحرمانها من المشاركة في المناقصات أو المسابقات الحكومية المتعلقة بالأشغال والخدمات العامة، أو أي نشاط مرتبط بالدولة، لمدة مماثلة.

وتشمل التدابير أيضًا إلغاء الشخصية القانونية للمنظمة إذا ثبت أنها أُنشئت خصيصًا لارتكاب الجريمة، أو أن الأفعال الإجرامية تشكل نشاطها الأساسي، إضافة إلى فقدان المزايا والمساعدات الحكومية أو تعليق الاستفادة منها.

وتبقى هذه العقوبات جزءًا من المقترح التشريعي، ولا تمثل أحكامًا جنائية جديدة نافذة ما لم يستكمل المشروع إجراءات إقراره وفق النظام الدستوري الأرجنتيني.

مشروع سابق تعثر بسبب المفاوضات مع النقابات

سبق أن قدمت رازيني مشروع القانون نفسه في أكتوبر 2024، عندما كانت عضوًا في الكتلة البرلمانية لحزب الاقتراح الجمهوري، الذي فازت باسمه بمقعدها عن مقاطعة سانتا في في الانتخابات التشريعية لعام 2023.

لكن المشروع لم يحصل على الدعم السياسي الكافي لاستكمال مساره التشريعي، وفقد لاحقًا صفته البرلمانية.

وفي ذلك الوقت، كانت حكومة خافيير ميلي تجري مفاوضات مع الاتحاد العام للعمل بشأن تعديل الفصل المتعلق بالعمل في قانون الأسس، وهو أحد أبرز التشريعات التي سعت الحكومة إلى إقرارها ضمن برنامجها الإصلاحي.

وعلى الرغم من حصول مبادرة رازيني على دعم من الحزب الحاكم وحزب الاقتراح الجمهوري وكتل برلمانية أخرى، فقد جرى تجميدها لتسهيل التوصل إلى توافق سياسي يسمح بإقرار قانون الأسس.

ومع ذلك، تضمن القانون الذي أُقر في يونيو 2024 مادة تعتبر الحصار النقابي للمؤسسات مخالفة جسيمة للالتزامات الناشئة عن علاقة العمل، بما يمنح أصحاب العمل صلاحيات أوسع لفصل الموظفين المشاركين في تلك الممارسات لأسباب قانونية مبررة.

قانون تحديث العمل يوسع مسؤولية القيادات النقابية

شهد الإطار التشريعي المتعلق بالحصار النقابي تطورًا إضافيًا مع إقرار قانون تحديث العمل، الذي تضمن أحكامًا تستهدف مسؤولية القيادات النقابية عن تنظيم عمليات الحصار أو احتلال المؤسسات.

فقد أدرج القانون ضمن المخالفات البالغة الخطورة التحريض على حصار مؤسسة أو احتلالها، أو الدعوة إلى هذه الممارسات أو تنظيمها.

ويكتسب إدراج عبارتي الدعوة والتنظيم أهمية قانونية، لأنه يوسع نطاق المسؤولية ليشمل القيادات التي تدفع باتجاه تنفيذ تلك الإجراءات، حتى عندما لا تشارك بصورة مباشرة في إغلاق المنشآت أو منع الوصول إليها.

وبذلك، لا تقتصر العقوبات التي ينص عليها القانون على الأشخاص الذين ينفذون الحصار ميدانيًا، بل يمكن أن تمتد إلى المسؤولين النقابيين الذين يثبت دورهم في التحريض عليه أو تنظيمه، وفق الشروط القانونية المعمول بها.

وكانت رازيني من الشخصيات التي دفعت باتجاه إدراج الأحكام المتعلقة بالحصار النقابي في قانون الأسس وقانون تحديث العمل، استنادًا إلى نشاطها السابق في الدفاع عن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعرضت لهذه الممارسات.

من رئاسة حركة أصحاب الشركات إلى مجلس النواب

قبل دخولها العمل البرلماني، تولت فيرونيكا رازيني رئاسة الحركة التجارية لمناهضة الحصار، التي أسستها عام 2021 بالتعاون مع المحامية فلورينسيا أرييتو.

وهدفت الحركة إلى جمع أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من عمليات الحصار النقابي، ووضع استراتيجية قانونية لمواجهة هذه الممارسات أمام المحاكم.

وترتبط تجربة رازيني الشخصية بهذا الملف، إذ تشارك أشقاءها ملكية شركة متخصصة في توزيع مواد البناء بمدينة روساريو، أسسها والدهم قبل نحو ستين عامًا.

وفي يونيو 2020، تعرض مقرّان تابعان للشركة لحصار نفذته نقابة سائقي الشاحنات، في إطار نزاع يتعلق بمطالبة النقابة بانضمام 18 عاملًا من أصل 100 موظف في الشركة إلى صفوفها.

واستمر الحصار ثلاثة أشهر، ما دفع رازيني إلى الدخول في مواجهة قانونية مع الجهات النقابية المشاركة.

وبحسب روايتها، تعرضت خلال النزاع لتهديدات وإهانات وأعمال ترهيب باستخدام أسلحة نارية، واضطرت إلى تغيير مكان إقامتها خشية التعرض لاعتداءات.

وانتهت الشكوى التي قدمتها بتوقيف عشرة موظفين وثلاثة مندوبين نقابيين.

كما فصلت الشركة العمال الذين شاركوا في الاحتجاج، قبل أن يلجأ هؤلاء إلى القضاء للطعن في قرارات فصلهم.

غير أن قاضية نظرت في القضية اعتبرت أن قرارات إنهاء علاقات العمل كانت قانونية.

وبعد تحقيق الحركة التي أسستها نتائج قضائية ضد بعض عمليات الحصار والمسؤولين عنها، قررت رازيني الانتقال إلى النشاط السياسي، بهدف الدفع نحو إقرار تشريعات تمنع استخدام الإضرابات وسيلة للاعتداء على حقوق دستورية أخرى، مثل الملكية وحرية التنقل والحق في العمل، وفق موقفها.

حكم سان نيكولاس يعيد الجدل حول حدود الحق في الإضراب

أعاد الحكم الصادر عن القاضي أليخاندرو لوبيز في سان نيكولاس قضية الحصار النقابي إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي.

ويتعلق الحكم بقضية حصار شركة «ري للتوزيع» في مدينة سان بيدرو عام 2021، التي اتُّهم فيها القيادي في نقابة سائقي الشاحنات ماكسيميليانو كاباليرو وستة أشخاص آخرون.

وقضى القاضي بتبرئة المتهمين، في قرار أثار اعتراضات من منظمات تمثل أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومن شخصيات سياسية تعتبر أن حماية الحق في الإضراب لا ينبغي أن تمتد إلى الأفعال التي تشكل جرائم مستقلة.

وفي مقابلة مع صحيفة إنفوباي، انتقدت رازيني الحكم بشدة، معربة عن استيائها مما اعتبرته عودة إلى نقاشات قانونية سبق أن شهدت تطورات مهمة من خلال أحكام وإدانات صدرت في قضايا حصار أخرى.

وقالت إن المجتمع وأصحاب الشركات عبّروا عن غضبهم من القرار، بعدما تحققت، بحسب رأيها، إنجازات مؤسسية وقضائية ساعدت على تعزيز النشاط الإنتاجي وتشجيع الاستثمارات واستعادة احترام الملكية الخاصة.

واعتبرت أن الحكم يمثل تراجعًا عن تلك التطورات، متهمة بعض القضاة بتفسير الحق في الإضراب بصورة تسمح بتبرير أفعال ترى أنها مجرّمة قانونًا.

وقالت رازيني إن المشكلة تكمن في وجود قضاة يعتبرون أن الأفعال التي تشكل جرائم يمكن التساهل معها لمجرد وقوعها في سياق إضراب عمالي.

وأضافت أن حق الإضراب يعني حق العامل في الامتناع عن أداء مهامه احتجاجًا على ظروف العمل، دون التعرض للفصل لمجرد ممارسة هذا الحق، لكنه لا يمنحه الحق في ارتكاب جرائم.

وشددت على أن الحق في الإضراب لا يتفوق على الحق في العمل.

وتعكس تصريحات النائبة موقفًا سياسيًا وقانونيًا يدعو إلى الفصل بين ممارسة الحقوق النقابية المشروعة وبين الأفعال التي قد تنطوي على تهديد أو إكراه أو تعطيل غير مشروع لنشاط المؤسسات، مع بقاء تحديد المسؤولية الجنائية من اختصاص القضاء.

تحركات للمطالبة بمساءلة القاضي وعزله

لم تقتصر تداعيات الحكم على الانتقادات السياسية والإعلامية، بل امتدت إلى تحركات قانونية تستهدف القاضي الذي أصدر قرار التبرئة.

فبحسب المعلومات المنشورة، يجري الدفع باتجاه تقديم شكويين منفصلتين ضد القاضي أليخاندرو لوبيز، إحداهما من الحركة التجارية لمناهضة الحصار، والأخرى من مجموعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ومن المقرر تقديم الشكويين إلى الأمانة الدائمة لهيئة محاكمة القضاة والمسؤولين في مقاطعة بوينس آيرس.

وتطعن الجهات المعترضة في الحكم الذي برأ ماكسيميليانو كاباليرو والمتهمين الستة الآخرين في قضية حصار شركة «ري للتوزيع»، وتطالب بالتحقق مما إذا كانت هناك مسؤولية مسلكية أو قانونية يمكن أن تبرر إخضاع القاضي لإجراءات المحاكمة التأديبية وصولًا إلى عزله.

ولا تعني هذه التحركات ثبوت ارتكاب القاضي مخالفة، إذ إن الفصل في مدى وجود مسؤولية تستوجب مساءلته يعود إلى الجهات القضائية والتأديبية المختصة.

وأشادت رازيني بسرعة تحرك أصحاب الشركات عقب صدور الحكم، معتبرة أن رد الفعل يعكس رفضًا متزايدًا للممارسات التي تؤدي إلى تعطيل المؤسسات الاقتصادية.

رازيني: سنعدل مبررات المشروع لمنع تكرار هذه الأحكام

أكدت النائبة أن الصيغة الجديدة لمشروع القانون ستكون مشابهة إلى حد كبير للمبادرة التي قدمتها قبل عامين، وأن التعديلات الأساسية ستتركز على المبررات القانونية والتشريعية المصاحبة له.

وأوضحت أن الحكم الأخير سيكون عنصرًا رئيسيًا في تحديث تلك المبررات، لأنه أظهر، من وجهة نظرها، الحاجة إلى نصوص تمنع تفسير الحق في الإضراب باعتباره مبررًا لارتكاب أفعال مجرّمة.

وقالت إن القاضي لا يجوز له اعتبار كل الأفعال مقبولة لمجرد وقوعها ضمن إضراب، حتى عندما تنطوي على مخالفات جنائية.

كما حذرت من أن استمرار عمليات الحصار قد يؤثر سلبًا في فرص جذب الاستثمارات وتطوير النشاط الاقتصادي.

وأكدت أن الأرجنتين تمر بمرحلة مختلفة، وأنه لا ينبغي السماح بالتراجع عن الجهود الرامية إلى حماية المؤسسات وتشجيع الاستثمار.

وأضافت أن حصار الشركات ممارسة خطيرة يجب معاقبة المسؤولين عنها، معتبرة أنها تعرقل العمل الجاري لاستعادة الاستثمارات ودفع الاقتصاد الوطني نحو النمو.

معركة تشريعية جديدة بين حماية المؤسسات والحقوق النقابية

تفتح إعادة طرح المشروع نقاشًا جديدًا داخل الكونغرس الأرجنتيني بشأن الحدود القانونية لممارسة الحق في الإضراب، ومدى الحاجة إلى استحداث جرائم مستقلة لمعاقبة عمليات الحصار التي تستهدف المؤسسات الاقتصادية.

ففي حين تتضمن التشريعات الحالية أحكامًا تسمح بفصل العاملين في حالات معينة مرتبطة بالحصار، وتفرض مسؤوليات على القيادات النقابية التي تنظم هذه الممارسات، تسعى مبادرة رازيني إلى إضافة إطار جنائي مباشر يتضمن عقوبات سالبة للحرية وعقوبات على المنظمات المتورطة.

ويتمثل الفارق الأساسي في أن المشروع الجديد لا يكتفي بالآثار العمالية أو الإدارية للممارسات المحظورة، بل يقترح إدراجها ضمن الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات.

ومن المتوقع أن يرتبط النقاش البرلماني أيضًا بكيفية التمييز بين الاحتجاجات النقابية التي يحميها الدستور، والأفعال التي تستوفي الأركان القانونية للجرائم المقترحة، مع مراعاة ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

وتبقى الخطوة المقبلة مرتبطة بتقديم الصيغة المحدثة رسميًا إلى مجلس النواب، ومدى قدرتها على الحصول على التأييد السياسي اللازم لاستكمال مراحل المناقشة والتصويت، بعد تعثر النسخة السابقة عام 2024.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
كتاب دليل الارجنتين عامود
نوار كتاو Nawar Chattaw
MWAFI
شاورما النبك 3
perteneser
نوتسياس لاتيناس