بقلم: ماريانو هـ. بورينسكي – Mariano H. Borinsky
إن نموذج التقاضي القائم على جلسات الاستماع، ذي الطابع الاتهامي والتخاصمي، الذي بدأ تطبيقه تدريجيًا منذ منتصف عام 2019 وفق جدول زمني يشمل الدوائر القضائية الفيدرالية في البلاد – وقد دخل حيز التنفيذ بالفعل في عشر منها، على أن تكون لا بلاتا المحطة التالية في 21 سبتمبر/أيلول – يتطلب نموذجًا جديدًا للقاضي.
وفيما يلي عشر نقاط تلخص التغييرات المنتظرة في دور القاضي:
1. قاضٍ حاضر
ينبغي أن يكون القاضي حاضرًا ومرئيًا في جلسات الاستماع، وأن يتلقى مباشرة من الأطراف المعلومات اللازمة لاتخاذ قراره، من دون وسطاء أو تدخلات، وبعيدًا عن جمود الملفات الورقية.
فالمعلومات التي تصل من مصدرها مباشرة، وتكون حديثة ومحدثة، تتمتع بجودة أعلى، وبالتالي تشكل أساسًا لاتخاذ قرارات أكثر دقة وجودة.
2. قاضٍ إنساني
ينبغي أن يكون القاضي إنسانًا. ففي زمن يشهد نموًا متسارعًا للذكاء الاصطناعي، وبين النقاش حول مزايا الخوارزميات والتحذيرات التي أطلقها الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic بشأن أسراب متمردة من أنظمة الذكاء الاصطناعي، يجب أن تبقى النزاعات البشرية بيد البشر.
ويجب التعامل معها بأخلاق وتعاطف إنسانيين، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالنزاعات مع القانون الجنائي، باعتبارها الأكثر تأثيرًا في النسيج الاجتماعي وحرية الأفراد.
3. قاضٍ مستعد ومؤهل
لا يكفي أن يمتلك القاضي معرفة واسعة ومحدثة بالقانون الجنائي والنموذج الإجرائي الجديد، بل يجب أن يمتلك أيضًا المهارات الشخصية “Soft Skills” التي يتطلبها النظام الشفهي.
ويشمل ذلك إدارة جلسات الاستماع بسلطة متوازنة، واكتساب المهارات اللازمة لعرض أسباب الأحكام بصورة شفهية ومنظمة وفعالة.
وتُعرض هذه الأسباب خلال الجلسة نفسها، ولذلك يجب تقديمها بلغة فنية قانونية، ولكن في الوقت ذاته مفهومة للمتهم والضحية والمجتمع.
ويتمثل التحدي في التوفيق بين الدقة الفنية الملازمة للعمل القضائي واللغة الواضحة التي تفرضها الشفافية التي يسعى إليها النظام الجديد، لأن المحتوى الذي لا يُفهم يُنظر إليه على أنه غامض.
4. قاضٍ يتمتع بحياد معزز
في النظام الجديد، يُمنع القاضي من إجراء التحقيق، كما لم يعد بإمكانه أن يقرر من تلقاء نفسه الحبس الاحتياطي أو أي تدبير قسري آخر.
كذلك، لا ينتج القاضي الأدلة ولا يتفاعل معها، فلا يستجوب الشهود أو الخبراء.
ويختفي الملف الورقي الذي كان يجري إعداده داخل المحكمة، وفي المراحل الأولية لا يراجع القاضي ملف تحقيق النيابة ولا عملية جمع الأدلة التي يقوم بها الدفاع.
وبذلك يكتسب القاضي قدرًا أكبر من الحياد، ويتحول إلى طرف ثالث يقف على مسافة متساوية من الخصوم، من دون مبادرة ذاتية، وتتمثل مهمته في الفصل في النزاع وفق ما يطرحه الأطراف.
5. قاضٍ لا يفوض قراره
رغم إمكانية استعانة القاضي بمقررين أو أمناء، بل واستحسان ذلك، فإن اتخاذ القرار أصبح مسؤولية شخصية للقاضي، وعليه أن يبين أسبابه بنفسه خلال جلسة الاستماع.
وفي حالات الإدانة التي تصدر بعد المحاكمة، وليس نتيجة اتفاق كامل بين الأطراف، يمكن لاحقًا توسيع أسباب الحكم كتابةً.
6. أن يحكم وفق ما نوقش في الجلسة
هذه إحدى ركائز النظام الجديد.
فإذا دخل القاضي إلى الجلسة وقد اتخذ قراره مسبقًا، أو قيّد بصورة مفرطة الوقت المخصص للأطراف لعرض حججهم، فإن جلسة الاستماع تتحول إلى مجرد تمثيل شكلي، وكأن النظام أصبح شفهيًا بينما تستمر الممارسة القديمة فعليًا.
7. ألا يصحح أو يستكمل عمل الأطراف
يشكل ذلك محورًا أساسيًا آخر في النموذج الجديد، وقد نص عليه صراحة قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي في المادة 111 وقانون تنظيم واختصاص القضاء الجنائي الفيدرالي والوطني في المادة 5، باعتباره جزءًا من الطبيعة التخاصمية للنظام.
وهذه القاعدة مرتبطة بمفهوم الحياد المعزز؛ فإذا قام القاضي باستكمال ما أغفله أحد أطراف الدعوى، فإنه يفقد المسافة المتساوية بين الخصوم، لأن تدخله سيصب حتمًا في مصلحة أحدهما على حساب الآخر.
8. الأطراف هم أبطال النظام
يجب أن يفهم القاضي أن الأطراف، أي جهات الاتهام والدفاع، هم أصحاب الدور الرئيسي في النظام.
فهم الذين يحددون، في إطار قاعدة تكافؤ وسائل الدفاع والاتهام، مضمون النزاع وإيقاعه.
ولهذا يوصف النموذج بأنه نظام يقوم على “التقاضي البسيط”، حيث يبقى للقاضي دور مهم وحاسم في اتخاذ القرار، لكن الأطراف هي التي تدير مسار النزاع.
9. مفهوم جديد للغاية من العملية الجنائية
لم يعد الهدف من العملية القضائية بالضرورة اكتشاف الحقيقة الواقعية.
فالحقيقة التي كانت تُعتبر في السابق الغاية القصوى للعملية الجنائية، إلى درجة أنها استُخدمت خلال محاكم التفتيش لتبرير مختلف أنواع التعذيب ضد المتهم بهدف انتزاع الاعتراف منه – حتى وإن اضطر أحيانًا إلى الكذب لوقف التعذيب – أصبحت اليوم تتراجع إلى حد كبير أمام مفهوم حل النزاع.
وينص القانون الجديد على ذلك صراحة في المادة 22، التي تقضي بأن يعمل القضاة والمدعون العامون ومحامو الدفاع على حل النزاع وإعادة إرساء السلم الاجتماعي.
وفي هذا السياق تأتي الحلول البديلة، مثل اتفاقات المحاكمة المختصرة، والمصالحة، وتعليق المحاكمة تحت الاختبار.
10. الاستماع إلى الضحية والمتهم
ينبغي للقاضي أن يستمع إلى الضحية والمتهم.
فالضحية، التي كانت في السابق تكاد تكون مجرد متفرج في الإجراءات المقامة ضد المعتدي عليها، اكتسبت تدريجيًا صوتًا ودورًا أكبر، وهو ما تكرس مع صدور قانون حقوق وضمانات ضحايا الجرائم عام 2017 ومنحها صلاحيات مهمة، من بينها إمكانية توجيه الاتهام بصورة مستقلة عن النيابة العامة.
ولهذا أصبحت الاستجابة إلى مطالب الضحية أمرًا أساسيًا بالنسبة إلى القضاء.
أما بالنسبة إلى المتهم، فيختفي نظام الاستجواب التاريخي المعروف باسم indagatoria، لكن القانون يمنحه حق الإدلاء بأقواله كلما أراد، وهو حق يجب السماح له بممارسته، بينما تقع على عاتق دفاعه مهمة تقديم المشورة بشأن مدى ملاءمة الإدلاء بهذه الأقوال.



