الأرجنتين بالعربي – خاص:
تستعد الحكومة الأرجنتينية لبدء إجراءات إدارية قد تنتهي بفرض عقوبات على النقابات التعليمية التي دعت إلى الإضراب في مقاطعة بوينس آيرس، بعدما كشفت عمليات تفتيش نفذتها وزارة رأس المال البشري عن إغلاق عشرات المدارس، وارتفاع معدلات غياب المعلمين، ومنع المفتشين الحكوميين من دخول عدد من المؤسسات التعليمية.
وتستند الحكومة في تحركها إلى قانون تحديث العمل، الذي صنّف التعليم ضمن الخدمات الأساسية، وألزم الجهات المعنية بضمان استمرار ما لا يقل عن 75% من الخدمات التعليمية المعتادة خلال الإضرابات والاحتجاجات العمالية.
وبحسب النتائج الأولية لعمليات التفتيش، سجلت السلطات إغلاق 61 مدرسة، ومنع المفتشين من دخول 20 مؤسسة تعليمية أخرى، في حين بلغت نسبة الغياب 83.1%، ولم تتجاوز نسبة المؤسسات التي واصلت عملها بصورة طبيعية 8.4% من إجمالي المؤسسات المشمولة بالتقييم.
نتائج أولية تكشف حجم تعطّل الدراسة
نفذت وزارة رأس المال البشري، التي تتولى إدارتها الوزيرة ساندرا بيتوفيلو، حملة تفتيش ميدانية على المدارس في مقاطعة بوينس آيرس، بهدف التحقق من مدى الالتزام بالحد الأدنى للخدمات التعليمية الذي يفرضه القانون خلال الإضرابات.
ووفق المعلومات التي نشرتها صحيفة إنفوباي، بدأت الوزارة بتلقي نتائج عمليات التفتيش خلال ساعات الصباح، وأظهرت البيانات المسجلة حتى الساعة الحادية عشرة تحرير 128 محضرًا رسميًا.
وتوزعت النتائج بين 47 مؤسسة تعليمية جرى التحقق من أوضاعها، و61 مدرسة كانت مغلقة، إضافة إلى 20 مؤسسة مُنع المفتشون من دخولها.
وأظهرت البيانات أن معدل الغياب على مستوى المؤسسات التعليمية بلغ 83.1%، بينما اقتصرت نسبة المدارس التي استمرت في أداء مهامها بصورة طبيعية على 8.4%.
وأكدت المعلومات أن هذه الأرقام أولية، ولا تمثل بالضرورة الوضع في جميع مدارس مقاطعة بوينس آيرس، وإنما تقتصر على المؤسسات التي شملتها عمليات التفتيش حتى موعد إعداد التقرير.
وكان من المقرر استمرار عمليات الرقابة خلال بقية ساعات اليوم، مع إصدار تحديث جديد للنتائج عند الساعة الواحدة ظهرًا، تمهيدًا لجمع المحاضر وتحديد الجهات النقابية التي شاركت في تنظيم الإضراب ومدى التزامها بالقواعد القانونية.
الحكومة تتجه إلى محاسبة النقابات التعليمية
أعلنت مصادر في وزارة رأس المال البشري أن الحكومة ستباشر إجراءات إدارية للنظر في المخالفات المحتملة التي رُصدت خلال الإضراب، مع تحديد المسؤولية القانونية لكل منظمة نقابية على حدة.
وانتقدت الوزارة القيادات النقابية والقوى السياسية المعارضة التي أيدت الاحتجاجات، معتبرة أن تعطيل المؤسسات التعليمية بصورة كاملة يستدعي التحقيق في مدى احترام الالتزامات المنصوص عليها في التشريعات النافذة.
وأكدت مصادر الوزارة أن الحكومة ستبدأ إجراءات لفرض عقوبات، لكنها أوضحت أن طبيعة التدابير النهائية لن تتحدد إلا بعد انتهاء عمليات التفتيش واستكمال مراجعة الوثائق والمحاضر الرسمية.
وتشمل الإجراءات المحتملة، من حيث المبدأ، النقابات المنضوية ضمن الجبهة النقابية الموحدة لمعلمي مقاطعة بوينس آيرس، وفي مقدمتها:
- النقابة الموحدة للعاملين في التعليم في بوينس آيرس «سوتيبا».
- اتحاد المعلمين في مقاطعة بوينس آيرس.
- اتحاد معلمي مقاطعة بوينس آيرس «أودوكبا».
- جمعية معلمي التعليم التقني «أميت».
كما تدرس الوزارة طبيعة مشاركة اتحاد العاملين في التعليم في الجمهورية الأرجنتينية «سيتيرا»، الذي ساند الإضراب، لتحديد ما إذا كان سيشمله التحقيق الإداري.
وتؤكد السلطات أن إدراج أي منظمة نقابية ضمن الإجراءات لن يكون تلقائيًا، وإنما سيعتمد على الأدلة والمستندات التي يجمعها المفتشون، وعلى تحديد دور كل نقابة في الدعوة إلى الإضراب وتنفيذه.
وحتى الآن، لم تعلن الحكومة فرض غرامات مالية أو اتخاذ عقوبات محددة، إذ تقتصر الخطوات المعلنة على فتح المسار الإداري تمهيدًا لتقييم المخالفات المحتملة.
إغلاق المدارس ومنع المفتشين من الدخول
تولي الحكومة اهتمامًا خاصًا لحالات الإغلاق الكامل للمؤسسات التعليمية، باعتبارها من أبرز الوقائع التي وثقتها عمليات التفتيش.
وتميز وزارة رأس المال البشري بين المدارس التي توقفت عن العمل بصورة كاملة، والمؤسسات التي شهدت مشاركة بعض المعلمين في الإضراب، بينما واصل آخرون أداء مهامهم التعليمية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية في تحديد ما إذا كانت المدارس قد حافظت على الحد الأدنى من الخدمات الذي تفرضه التشريعات، أم أن الإضراب أدى إلى توقف النشاط التعليمي بصورة تتعارض مع تلك الالتزامات.
وفي السياق نفسه، وثّق المفتشون 20 حالة مُنعوا فيها من دخول المؤسسات التعليمية أثناء تنفيذ مهامهم الرقابية.
وأُدرجت هذه الوقائع في المحاضر الرسمية، على أن تتولى الوزارة دراسة ظروف كل حالة وطبيعة العراقيل التي واجهها موظفوها، قبل تحديد ما إذا كانت تشكل مخالفات تستوجب اتخاذ إجراءات إضافية.
وشهدت حملة التفتيش تغييرًا في آلية التنفيذ مقارنة بعمليات سابقة، إذ امتنعت الوزارة هذه المرة عن الإعلان مسبقًا عن أسماء المدارس التي ستخضع للرقابة، بهدف الحصول على صورة مباشرة عن سير العمل خلال الإضراب.
قانون تحديث العمل يفرض استمرار 75% من الخدمات التعليمية
تستند الحكومة الأرجنتينية في تحركها إلى المادة 101 من القانون رقم 27.802 الخاص بتحديث العمل، الذي أقره الكونغرس في 27 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 مارس من العام نفسه.
وقد عدّلت هذه المادة أحكام المادة 24 من القانون رقم 25.877، وأدرجت رعاية القاصرين والتعليم الأولي والابتدائي والثانوي والخاص ضمن قائمة الخدمات الأساسية.
وبموجب التعديل التشريعي، يتعين على الجهات المعنية بالنزاعات العمالية الجماعية التي تؤثر في الخدمات الأساسية ضمان استمرار تقديم ما لا يقل عن 75% من مستوى النشاط المعتاد.
ويهدف هذا التنظيم إلى المحافظة على استمرارية الخدمات التي يعتبرها القانون أساسية، حتى في حالات الإضراب أو النزاعات بين العاملين والجهات المسؤولة عن إدارتها.
كما أضافت المادة 102 من قانون تحديث العمل قواعد لتنظيم الحد الأدنى من الخدمات خلال النزاعات العمالية، تشمل الإخطار المسبق ببعض إجراءات الاحتجاج، وتحديد كيفية استمرار تقديم الخدمات، والالتزام بالترتيبات المقررة أثناء النزاع.
وتنص الفقرة 24.6 على إمكانية تطبيق العقوبات الواردة في القوانين رقم 14.786 و23.551 و25.212، في حال مخالفة إجراءات التسوية أو القرارات الصادرة عن السلطات المختصة.
ومن هذا المنطلق، تسعى وزارة رأس المال البشري إلى تحديد ما إذا كانت النقابات التي نظمت الإضراب قد احترمت الحد الأدنى القانوني للخدمات التعليمية، أم أن حالات الإغلاق والتوقف عن العمل المسجلة تشكل مخالفات تستوجب المساءلة.
خلاف قضائي حول اعتبار التعليم خدمة أساسية
لم يخلُ تطبيق قانون تحديث العمل من نزاعات قضائية، ولا سيما الأحكام المتعلقة بتصنيف التعليم ضمن الخدمات الأساسية وتقييد نطاق توقف الخدمات أثناء الإضرابات.
ففي الأول من أبريل، قررت محكمة العمل الوطنية رقم 74 شمول الطعن الذي قدمه اتحاد المعلمين الأرجنتينيين ضد اعتبار التعليم خدمة أساسية بتدبير قضائي احترازي، أدى إلى تعليق مؤقت لتطبيق عدد من مواد القانون.
غير أن تطورًا قضائيًا لاحقًا طرأ في 23 أبريل، عندما قررت الدائرة الثامنة في محكمة الاستئناف الوطنية للعمل منح الاستئناف الذي قدمته الدولة ضد التدبير الاحترازي العام الصادر في الدعوى التي رفعها الاتحاد العام للعمل أثرًا موقفًا لتنفيذ ذلك التدبير.
وأدى القرار إلى استعادة تطبيق الأحكام القانونية محل النزاع، في انتظار استكمال الإجراءات القضائية المتعلقة بمدى دستوريتها وصلاحيتها القانونية.
وبذلك، تستند وزارة رأس المال البشري إلى الأحكام التي عاد تطبيقها، مع استمرار الجدل القضائي بشأن بعض جوانب الإصلاح العمالي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها، إذ يتعين عليها تحديد المخالفات المحتملة في ضوء التشريعات السارية والقرارات القضائية ذات الصلة.
مطالب نقابية بزيادة الرواتب واستعادة التمويل التعليمي
جاء إضراب المعلمين في مقاطعة بوينس آيرس، الذي استمر 24 ساعة، بالتزامن مع يوم وطني من الاحتجاجات المرتبطة بقطاع التعليم، ومع تنظيم المسيرة الجامعية الفيدرالية الخامسة.
ورفعت النقابات التعليمية مجموعة من المطالب الاقتصادية والمهنية، في مقدمتها تحسين رواتب المعلمين وتعويض تراجع قدرتهم الشرائية، وإعادة فتح المفاوضات الجماعية بشأن الأجور وظروف العمل.
كما طالبت بإعادة العمل بالصندوق الوطني لتحفيز المعلمين، الذي يمثل أحد مصادر التمويل المرتبطة بأجور العاملين في التعليم، إلى جانب الدعوة إلى استئناف المفاوضات الوطنية الخاصة بقطاع التدريس.
وشملت المطالب زيادة الموارد المالية المخصصة للنظام التعليمي، وتحسين ظروف العمل، ومراجعة القضايا المرتبطة بأنظمة التقاعد الخاصة بالعاملين في القطاع.
وتعتبر النقابات أن هذه المطالب تشكل أساس تحركها الاحتجاجي، في حين تركز الحكومة الوطنية على مدى التزام الجهات المنظمة للإضراب بالقواعد القانونية التي تنظم استمرار الخدمات التعليمية الأساسية.
خلاف جديد بين حكومة ميلي والنقابات وإدارة كيسيلوف
أضاف الإضراب فصلًا جديدًا إلى الخلافات القائمة بين حكومة الرئيس خافيير ميلي والنقابات التعليمية، في ظل التباينات بشأن السياسات الاقتصادية والتمويل الحكومي للقطاع العام.
كما يتقاطع النزاع مع العلاقة السياسية والإدارية بين الحكومة الوطنية وحكومة مقاطعة بوينس آيرس، التي يقودها الحاكم أكسيل كيسيلوف، وتتولى مسؤولية إدارة المدارس التابعة للمقاطعة.
وتبرز في هذا السياق مسألتان منفصلتان، تتعلق الأولى بالمطالب النقابية الخاصة بالأجور والتمويل وظروف العمل، بينما ترتبط الثانية بتفسير وتطبيق القواعد القانونية التي تنظم الإضراب في القطاعات المصنفة خدمات أساسية.
وعلى الرغم من تزامن إضراب المدارس مع الاحتجاجات الجامعية، أكدت المعلومات أن الإجراءات التي تحضرها وزارة رأس المال البشري ستقتصر على الإضراب الذي شهدته المؤسسات التعليمية في مقاطعة بوينس آيرس.
أما الاحتجاجات الجامعية، فرغم مشاركتها في اليوم الاحتجاجي نفسه، فإنها ترتبط بنزاع منفصل ولا تدخل ضمن نطاق الإجراءات العقابية التي تعتزم الوزارة مباشرتها.
انتظار النتائج النهائية وتحديد العقوبات المحتملة
مع استمرار عمليات التفتيش وجمع المحاضر، تتجه وزارة رأس المال البشري إلى استكمال تقييم الوقائع المسجلة، وتحديد المنظمات النقابية المعنية، ودراسة مدى مسؤولية كل منها عن أي مخالفة محتملة.
ومن المنتظر أن تشكل النتائج النهائية لعمليات الرقابة الأساس الذي ستعتمد عليه السلطات لتحديد نطاق الملفات الإدارية، وما إذا كانت هناك مبررات قانونية لفرض غرامات أو عقوبات أخرى وفق التشريعات النافذة.
وحتى صدور تلك النتائج، تبقى الإجراءات في مرحلة التحقق وتحديد المسؤوليات، دون إعلان عقوبات نهائية بحق النقابات.
ويضع هذا التطور العلاقة بين الحكومة والنقابات التعليمية أمام اختبار قانوني وإداري جديد، تتداخل فيه المطالب العمالية وحق الإضراب مع الالتزامات التي فرضها قانون تحديث العمل لضمان استمرار الخدمات التعليمية في الأرجنتين.






