الأرجنتين بالعربي – خاص:
انتقل الجدل بشأن سعر صرف الدولار ومستوى القدرة التنافسية للاقتصاد الأرجنتيني إلى داخل الحكومة نفسها، بعدما قرر الرئيس خافيير ميلي (Javier Milei) فتح النقاش خلال اجتماع لمجلس الوزراء، في وقت تواجه فيه البلاد تحديًا يتمثل في استعادة النمو الاقتصادي بعد عام اتسم بضعف النشاط وتراجع عدد من القطاعات الإنتاجية.
وتتمحور المناقشات حول سؤال اقتصادي أساسي: هل تستطيع الأرجنتين تحقيق نمو مستدام مع بقاء الدولار عند مستويات منخفضة نسبيًا، أم أن تحسين القدرة التنافسية يتطلب ارتفاع سعر الصرف؟
ويأتي هذا الجدل في ظل تباين الآراء بشأن مستوى سعر الصرف الحقيقي، وتأثيره في الصادرات والواردات والاستثمار والإنتاج المحلي والأجور.
ورغم أن الحكومة تتمسك برفض إجراء خفض مفاجئ لقيمة العملة الوطنية، فإن اقتصاديين يحذرون من أن استمرار ارتفاع القيمة الحقيقية للبيزو يحتاج إلى دعم من الإنتاجية والاستثمارات والصادرات، وليس فقط من الاستقرار النقدي.
ميلي ينقل نقاش سعر الصرف إلى مجلس الوزراء
تمثلت أبرز مستجدات الأسبوع في دعوة الاقتصادي ألبرتو أديس (Alberto Ades)، كبير الاقتصاديين السابق في بنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، لتقديم عرض أمام أعضاء الحكومة بشأن واقع سعر الصرف الأرجنتيني.
وشكلت المشاركة تطورًا لافتًا، إذ أشار التقرير إلى أنها المرة الأولى التي يُدعى فيها اقتصادي محترف لتقديم عرض من هذا النوع خلال اجتماعات مجلس الوزراء.
وكان الرئيس ميلي قد اعتاد إجراء مناقشات اقتصادية مع متخصصين بصورة مباشرة، ومن بينهم الاقتصادي خوان كارلوس دي بابلو (Juan Carlos De Pablo)، الذي شارك في لقاءات مع الرئيس في مقر الإقامة الرئاسية بأوليفوس.
لكن إدراج موضوع سعر الصرف ضمن اجتماع حكومي موسع منح القضية بعدًا مؤسسيًا أكبر، خصوصًا مع استمرار النقاش بشأن مستقبل النمو الاقتصادي.
الدولار عند مستوى يقل 29% عن متوسط 23 عامًا
قدم ألبرتو أديس خلال الاجتماع بيانات تشير إلى أن سعر الصرف الحقيقي في الأرجنتين أقل بنحو 29% من متوسطه خلال السنوات الثلاث والعشرين الماضية.
وأوضح أن المستوى الحالي يقل حتى عن ذلك المسجل خلال عام 2017، في عهد الرئيس الأسبق ماوريسيو ماكري (Mauricio Macri).
وتكتسب هذه المقارنة أهمية لأن الأرجنتين واجهت في عام 2018 أزمة حادة في سوق الصرف، اضطرت خلالها إلى طلب مساعدة مالية كبيرة من صندوق النقد الدولي (Fondo Monetario Internacional – FMI).
لكن أديس شدد على أن المقارنة التاريخية لا تعني بالضرورة أن البلاد تتجه إلى تكرار السيناريو نفسه.
فالوضع الاقتصادي الحالي، وفق تحليله، يختلف عن ظروف عام 2017، خصوصًا من حيث التجارة الخارجية والحساب الجاري.
ويشير انخفاض سعر الصرف الحقيقي إلى ارتفاع القيمة النسبية للعملة المحلية مقارنة بمستوياتها التاريخية، بعد مراعاة فروق الأسعار والتضخم.
ولا يعني ذلك بالضرورة انخفاض السعر الاسمي للدولار، بل يتعلق بالقوة الشرائية النسبية للبيزو وتأثيرها في تنافسية الاقتصاد.
هل يوجد سعر صرف مثالي للاقتصاد؟
يرى نائب وزير الاقتصاد خوسيه لويس دازا (José Luis Daza) أن تحديد سعر صرف حقيقي مثالي أو توازني يمثل مهمة بالغة الصعوبة.
وقد كرر موقفه القائل إن الاقتصاديين لم يعودوا يتعاملون مع وجود قيمة واحدة يمكن تحديدها بدقة لسعر الصرف الحقيقي المتوازن، نظرًا إلى صعوبة حسابها.
ويعكس هذا الطرح أحد أوجه الخلاف بين الاقتصاديين بشأن تقييم العملة المحلية.
فبعض التحليلات تعتمد على المتوسطات التاريخية، بينما تركز أخرى على التجارة الخارجية والإنتاجية وتدفقات رأس المال ومستويات الادخار والاستثمار.
ومن ثم، فإن انخفاض سعر الصرف الحقيقي عن متوسطه التاريخي لا يشكل وحده دليلًا قاطعًا على ضرورة تخفيض قيمة العملة.
لكن في المقابل، لا يكفي الاستقرار الحالي للجزم بأن مستوى سعر الصرف قابل للاستمرار على المدى الطويل.
الحكومة تستند إلى قوة الصادرات والفائض التجاري
يستند الفريق الاقتصادي الحكومي إلى مجموعة من المؤشرات للدفاع عن سياسته النقدية وسعر الصرف الحالي.
ويأتي في مقدمتها الفائض التجاري المرتفع وتحقيق فائض في الحساب الجاري، وهما عاملان يعتبرهما المسؤولون مصدرًا مهمًا للاستقرار الخارجي.
ويطرح الفريق الاقتصادي تساؤلًا مفاده: لماذا تحتاج الأرجنتين إلى دولار أعلى إذا كانت تتجه إلى تسجيل مستوى تاريخي من الصادرات خلال العام؟
وتقوم هذه الحجة على أن قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية من خلال الصادرات تقلل الحاجة إلى إجراء تخفيض حاد لقيمة البيزو.
كما أن تحسن الحسابات الخارجية يوفر، من وجهة نظر الحكومة، هامشًا أكبر للحفاظ على استقرار سوق الصرف.
ومع ذلك، فإن استمرار هذه الظروف يعتمد على عوامل متغيرة، منها أسعار السلع العالمية وحجم الواردات والاستثمار وتطور النشاط الاقتصادي.
تحذير من استدامة ارتفاع القيمة الحقيقية للبيزو
رغم اختلاف الظروف الحالية عن الأزمات السابقة، حذر ألبرتو أديس من أن استمرار ارتفاع القيمة الحقيقية للعملة الأرجنتينية يحتاج إلى إثبات قدرته على الصمود اقتصاديًا.
وأشار إلى أن مستوى سعر الصرف الحالي «لا يزال بحاجة إلى أن تؤكده الوقائع الاقتصادية».
واستشهد بتجارب دول مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل وتشيلي، التي شهدت فترات ارتفعت خلالها القيمة الحقيقية لعملاتها.
لكن تلك التجارب، وفق المقارنة التي عرضها، جاءت بعد تحقيق تقدم كبير في الصادرات والإنتاجية والاستثمارات التكنولوجية وتعزيز الانضباط المالي.
ويبرز هنا الفرق بين ارتفاع قيمة العملة نتيجة تحسن هيكلي في الاقتصاد، وارتفاعها في ظروف قد لا تكون فيها الإنتاجية قد حققت تقدمًا مماثلًا.
ويعني ذلك أن استدامة سعر الصرف لا تتوقف فقط على قدرة البنك المركزي على إدارة سوق العملات، بل ترتبط أيضًا بتحسن الاقتصاد الحقيقي.
أسعار النفط وفول الصويا تمنح الأرجنتين أفضلية تجارية
من العوامل التي تدعم الموقف الاقتصادي الحالي تحسن شروط التبادل التجاري (Términos de intercambio).
ويقصد بهذا المؤشر العلاقة بين أسعار السلع التي تصدرها الدولة وأسعار السلع التي تستوردها.
وبحسب المعطيات الواردة، استفادت الأرجنتين من ارتفاع أسعار صادراتها، ولا سيما النفط وفول الصويا، بينما لم تشهد أسعار وارداتها زيادة مماثلة.
وتجاوز سعر برميل النفط مستوى 100 دولار أمريكي، ما عزز أهمية قطاع الطاقة بوصفه مصدرًا للعملات الأجنبية.
كما ساهم تحسن أسعار فول الصويا في دعم القطاع الزراعي، الذي يشكل أحد المحركات الرئيسية للصادرات الأرجنتينية.
وتتيح هذه الظروف للبلاد الحصول على إيرادات أكبر من بيع بعض منتجاتها في الأسواق الدولية، دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة الكميات المصدرة بالنسبة نفسها.
لكن الاعتماد على الأسعار العالمية يحمل مخاطر، لأن أي تراجع مستقبلي في أسعار النفط أو المنتجات الزراعية قد يغير الحسابات الاقتصادية.
ارتفاع الريال البرازيلي يخفف الضغط على البيزو
يشكل تطور سعر صرف العملة البرازيلية عاملًا إضافيًا في النقاش الأرجنتيني.
فقد شهد الريال البرازيلي (Real brasileño) ارتفاعًا ملحوظًا مقابل الدولار الأمريكي خلال فترة تزيد قليلًا على عام.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، تراجع سعر الدولار من نحو 6 ريالات برازيلية إلى أقل من 5 ريالات خلال الأسبوع الأخير.
وربط التقرير هذا التطور بالمشهد السياسي البرازيلي عقب تقدم فلافيو بولسونارو (Flávio Bolsonaro) في الانتخابات، مع الإشارة إلى أن النتيجة الانتخابية النهائية كانت لا تزال مرتبطة بجولة ثانية.
ويؤثر ارتفاع الريال البرازيلي في العلاقة التنافسية بين الاقتصادين الأرجنتيني والبرازيلي.
فكلما ارتفعت قيمة العملة البرازيلية مقارنة بالبيزو، أصبحت بعض السلع والخدمات البرازيلية أعلى تكلفة بالنسبة إلى المستهلكين الأرجنتينيين.
كما قد تتحسن القدرة التنافسية النسبية للمنتجات الأرجنتينية في السوق البرازيلية، بحسب تطور الأسعار والتكاليف في البلدين.
السياحة في البرازيل تصبح أكثر تكلفة للأرجنتينيين
من النتائج المباشرة لارتفاع الريال البرازيلي زيادة التكلفة النسبية للسفر إلى البرازيل بالنسبة إلى السياح الأرجنتينيين.
ويتوقع التقرير أن تكون الشواطئ البرازيلية خلال موسم الصيف المقبل أكثر تكلفة للمسافرين من الأرجنتين.
ويؤثر هذا التغير في أسعار الإقامة والمطاعم والخدمات والمشتريات عند تحويل قيمتها إلى العملة الأرجنتينية.
كما يمكن أن ينعكس على قرارات السفر والإنفاق السياحي خارج البلاد.
ويرى التحليل أن ارتفاع الريال يخفف جانبًا من الضغوط المطالبة برفع سعر الدولار في الأرجنتين، لأنه يحسن التنافسية النسبية للبلاد أمام أحد أهم شركائها التجاريين.
لكن حجم هذا التأثير يتوقف على التطور المتزامن للتضخم وأسعار الصرف والتكاليف في كلا البلدين.
البنك المركزي اشترى قرابة 15 مليار دولار
تتضمن المناقشات الاقتصادية أيضًا دور البنك المركزي الأرجنتيني (Banco Central de la República Argentina – BCRA) في سوق العملات.
فقد ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة مقترحات تدعو إلى تسريع شراء الدولار بهدف زيادة الطلب عليه ودفع سعره إلى الارتفاع.
لكن التقرير يشير إلى أن البنك المركزي اشترى بالفعل ما يقارب 15 مليار دولار أمريكي.
ويستخدم هذا الرقم في النقاش لإظهار أن السلطات النقدية تنفذ عمليات شراء واسعة للعملات الأجنبية دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى ارتفاع حاد في سعر الصرف.
وتتأثر نتائج هذه العمليات بحجم المعروض من الدولار والطلب عليه، إضافة إلى السياسات النقدية والمالية والتوقعات الاقتصادية.
ولا يمكن تحديد تأثير مشتريات البنك المركزي في سعر الصرف من خلال حجمها وحده، دون النظر إلى بقية العوامل المؤثرة في السوق.
مقترحات متعددة لرفع سعر الدولار
شهدت المناقشات الاقتصادية خلال الأسبوعين الماضيين ظهور مجموعة من المقترحات بشأن كيفية التعامل مع سعر الصرف.
ومن بينها فرض ضريبة على شراء الدولار من المصارف، أو السماح بارتفاع سعر الصرف إلى 3500 بيزو للدولار، رغم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المحتملة لمثل هذا التحرك.
كما طُرحت أفكار تتعلق بفرض ضرائب على الإنفاق خارج البلاد، بهدف الحد من خروج العملات الأجنبية.
وجرى ربط بعض هذه المقترحات بالإيرادات المتوقعة من قطاع الطاقة في فاكا مويرتا (Vaca Muerta)، مع الدعوة إلى عدم استنزاف تلك الإيرادات من خلال الإنفاق السياحي والاستهلاكي في الخارج.
لكن هذه الأفكار وردت ضمن النقاش العام، ولم يقدم التقرير ما يفيد بأن الحكومة اعتمدتها بوصفها قرارات رسمية.
الفجوة بين الدولار الرسمي ودولار CCL عند 5%
من المؤشرات التي يستند إليها المدافعون عن السياسة الحالية محدودية الفارق بين سعر الدولار الرسمي وسعر الدولار المالي المعروف باسم Contado con Liquidación – CCL.
وبحسب التقرير، تبلغ هذه الفجوة نحو 5%.
ويتيح نظام CCL للشركات والمستثمرين الحصول على الدولار عبر عمليات مالية مرتبطة بالأوراق المالية.
ويشير التحليل إلى أن الشركات التي تواجه قيودًا على تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج يمكنها استخدام هذه الآلية، مقابل تحمل فرق السعر.
ويعتبر التقرير أن انخفاض الفجوة إلى هذا المستوى يعكس تراجع الأثر الاقتصادي لبعض القيود المفروضة على سوق الصرف.
لكن ذلك لا يعني اختفاء جميع القيود أو زوال تأثيرها على كل الشركات والعمليات، إذ تختلف شروط الوصول إلى العملات الأجنبية بحسب نوع النشاط واللوائح المطبقة.
هل يؤدي رفع سعر الدولار إلى تحسين الاقتصاد؟
أثار ألبرتو أديس، بعد مشاركته في الاجتماع الحكومي، سؤالًا بشأن القطاعات التي يمكن أن تستفيد من ارتفاع سعر الصرف.
وأشار إلى أن بعض الأنشطة، مثل البناء والسياحة الوافدة، قد تستفيد من انخفاض القيمة الحقيقية للبيزو.
فارتفاع سعر الدولار يمكن أن يجعل بعض الخدمات والمنتجات المحلية أقل تكلفة نسبيًا بالنسبة إلى المشترين الأجانب.
لكن أديس حذر في المقابل من أن خفض قيمة العملة قد يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للأجور.
ويرتبط ذلك باحتمال انتقال ارتفاع سعر الدولار إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصًا المنتجات المستوردة والسلع التي تتأثر بتكاليف الإنتاج الدولية.
وبالتالي، فإن أي مكاسب تنافسية محتملة يجب مقارنتها بالتأثيرات التي قد تتركها على التضخم والاستهلاك والدخل الحقيقي للأسر.
قطاع البناء وتجربة الحكومات السابقة
تناول التقرير العلاقة بين سعر الصرف ونشاط البناء خلال الحكومات السابقة المرتبطة بالتيار الكيرشنري.
وأشار إلى أن قطاع البناء شهد فترات نشاط قوي، لكنه اعتبر أن ذلك لم يكن نتيجة ارتفاع سعر الدولار وحده.
وعزا التحليل جانبًا من نشاط الأشغال العامة إلى توسع الإنفاق الحكومي، مع توجيه انتقادات إلى ممارسات فساد ارتبطت ببعض العقود العامة.
كما أشار إلى أن القيود الصارمة على شراء العملات الأجنبية شجعت أفرادًا وشركات على الاستثمار في العقارات بوصفها وسيلة لحماية المدخرات من تراجع قيمة البيزو.
ففي ظل صعوبة الوصول إلى الدولار، اتجه بعض المستثمرين إلى شراء الأراضي والعقارات باعتبارها أصولًا يمكن الاحتفاظ بقيمتها على المدى الطويل.
ويعكس هذا الطرح تفسيرًا اقتصاديًا وسياسيًا قدمه التقرير لطبيعة النمو الذي شهده القطاع، وليس دليلًا على أن سعر الصرف لم يؤثر فيه مطلقًا.
الصناعة والفجوة بين أسعار الدولار
امتد التحليل إلى القطاع الصناعي، حيث ناقش أثر نظام القيود على العملات الأجنبية الذي كان معمولًا به خلال فترات سابقة.
وبحسب التقرير، استفادت بعض الشركات من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي المنخفض، بينما كانت أسعار منتجاتها في السوق المحلية تتأثر بسعر الصرف الموازي الأعلى.
وفي بعض الفترات، تجاوزت الفجوة بين السعرين 100%.
واعتبر التقرير أن هذا الوضع أتاح لبعض الشركات تحقيق أرباح كبيرة نتيجة الفارق بين تكلفة الحصول على العملات الأجنبية وأسعار البيع المحلية.
كما وجه انتقادات إلى آليات منح الموافقات على الحصول على الدولار، معتبرًا أن الطابع التقديري لبعض القرارات أوجد فرصًا للمحاباة والفساد.
لكن هذه التقييمات لا تعني أن جميع الشركات الصناعية استفادت من الآلية نفسها أو أن أداء القطاع يمكن تفسيره حصريًا بفجوة سعر الصرف.
الحكومة ترفض خفضًا مفاجئًا لقيمة البيزو
وفق المعطيات الواردة، تعتبر الحكومة أن النقاش بشأن ضرورة إجراء تخفيض كبير ومتعمد لقيمة العملة قد حُسم في الوقت الراهن.
فالفريق الاقتصادي لا يرى مبررًا كافيًا لدفع الدولار إلى الارتفاع بصورة مفاجئة، في ظل تحسن الحسابات الخارجية وتزايد الصادرات وعمليات شراء العملات الأجنبية.
كما تستند الحكومة إلى الاستقرار النسبي في سوق الصرف بوصفه عاملًا مساعدًا على السيطرة على التضخم.
لكن هذا الموقف لا ينهي النقاش بشأن قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام في ظل سعر الصرف الحالي.
فالتحدي الرئيسي انتقل تدريجيًا من إدارة سوق الدولار إلى تحفيز الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.
نمو اقتصادي أقل من 2% خلال 2026
رغم المؤشرات الإيجابية في التجارة الخارجية، لم يحقق الاقتصاد الأرجنتيني خلال عام 2026 مستويات النمو التي كانت مأمولة.
وبحسب التقرير، أصبحت غالبية شركات الاستشارات الاقتصادية تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقل عن 2% خلال العام.
كما تركز النشاط الإيجابي في عدد محدود من القطاعات، أبرزها:
- الزراعة والصناعات المرتبطة بها.
- الطاقة، ولا سيما النفط والغاز.
- التعدين.
ويثير هذا التركز تساؤلات بشأن قدرة النمو في القطاعات المصدرة على الانتقال إلى بقية الأنشطة الاقتصادية.
فارتفاع الصادرات لا يضمن وحده تحسنًا واسعًا في الصناعة والتجارة والخدمات أو زيادة فرص العمل والدخل الحقيقي.
ولهذا، فإن استعادة النمو الشامل أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه السياسة الاقتصادية.
التضخم في بوينس آيرس يسجل 1.8%
في جانب الأسعار، ساهم الاستقرار النسبي لسعر الصرف في دعم جهود الحكومة للحد من التضخم.
وسجل مؤشر التضخم في مدينة بوينس آيرس ارتفاعًا بنسبة 1.8% خلال سبتمبر.
أما مؤشر التضخم الوطني، الذي كان مقررًا نشره خلال الأسبوع نفسه، فتوقع التقرير أن يأتي قريبًا من هذا المستوى، بعد تسجيل 1.7% في أغسطس.
كما توقع الاقتصادي فرناندو مارول (Fernando Marull) أن يعود معدل التضخم الشهري إلى نحو 1.7% خلال أكتوبر.
وتبقى هذه التقديرات توقعات مرتبطة بالفترة المذكورة، وليست نتائج رسمية مؤكدة للشهور التي لم تكن بياناتها قد صدرت بعد.
ويمنح تباطؤ التضخم الحكومة فرصة لتحسين القوة الشرائية للأجور، بشرط أن ترتفع الدخول بوتيرة تتجاوز زيادة الأسعار.
الاقتصاد يدخل ركودًا فنيًا بعد فصلين من الانكماش
رغم التقدم في ملف التضخم، أظهرت بيانات النشاط الاقتصادي حتى أغسطس أن الأرجنتين دخلت مرحلة «ركود فني» (Recesión técnica).
ويستخدم هذا المصطلح عادة لوصف تسجيل انكماش اقتصادي خلال فصلين متتاليين.
وبحسب التحليل الوارد، سجل الاقتصاد تراجعًا خلال ربعين متتابعين، ما يعكس استمرار ضعف النشاط خلال جزء من عام 2026.
لكن التقرير رجح أن تكون هذه المرحلة قصيرة نسبيًا، استنادًا إلى توقعات بتحسن المؤشرات خلال الأشهر الأخيرة من العام.
كما أشار إلى احتمال أن تظهر بيانات سبتمبر تعافيًا من الانخفاض الحاد المسجل في يوليو.
ومع ذلك، فإن التوقع بتحسن النشاط لا يلغي وقوع الانكماش السابق، كما أن انتهاء الركود يتطلب تأكيدًا من البيانات الاقتصادية اللاحقة.
توقعات بانتعاش النشاط خلال الربع الأخير
يتوقع التقرير أن يتحسن النشاط الاقتصادي بنحو 1.7% خلال الربع الأخير من عام 2026.
ويرتبط هذا السيناريو باحتمال استمرار تحسن الأجور الحقيقية مقارنة بالتضخم، ما قد يدعم الاستهلاك المحلي.
كما تشير التوقعات إلى إمكانية استمرار التعافي خلال الأشهر الأولى من 2027.
ويعتمد تحقق هذا السيناريو على استقرار الأسعار وسوق الصرف، وتحسن الدخول، وقدرة الشركات على زيادة الإنتاج والاستثمار.
لكن الأرقام المطروحة تمثل تقديرات مستقبلية، ولا يمكن التعامل معها بوصفها نتائج اقتصادية محققة.
هل يدخل ميلي العام الانتخابي بظروف اقتصادية أفضل؟
يربط التقرير بين احتمالات التعافي الاقتصادي والاستحقاقات السياسية المقبلة في الأرجنتين.
فإذا تحققت التوقعات المتعلقة بتحسن النشاط واستمرار انخفاض التضخم واستقرار الدولار، فقد تدخل الحكومة عام 2027 في ظروف اقتصادية أكثر استقرارًا مقارنة بالفترة السابقة.
وقد يساهم تحسن الأجور الحقيقية في دعم الاستهلاك وتخفيف بعض الضغوط التي تواجه الأسر.
لكن التقرير يقر بأن هذا السيناريو لا يمثل وضعًا اقتصاديًا مثاليًا، وأن التحسن المحدود لا يكفي وحده لتحديد النتائج السياسية.
كما أن تقييم أثر الأداء الاقتصادي على الانتخابات يتطلب مراعاة عوامل متعددة تتجاوز المؤشرات النقدية، من بينها التوظيف والدخل وتوزيع آثار النمو بين مختلف الفئات الاجتماعية.
المشهد السياسي البرازيلي وتأثيره الإقليمي
تناول التقرير أيضًا التطورات السياسية في البرازيل، وربطها بالتحولات التي شهدتها عدة دول في أمريكا اللاتينية.
وأشار إلى تقدم فلافيو بولسونارو في الانتخابات البرازيلية، مع بقاء النتيجة النهائية مرتبطة بجولة ثانية.
وطرح التقرير قراءتين سياسيتين لهذا التطور.
الأولى تتعلق بالتحديات التي تواجهها الحكومات القائمة في المحافظة على التأييد الشعبي، مع الإشارة إلى تجارب سياسية في تشيلي وبيرو وكولومبيا.
أما الثانية فتربط التحولات الانتخابية في بعض دول المنطقة بتغير اتجاهات الناخبين تجاه التيارات السياسية التقليدية.
وقدم التقرير تقييمًا نقديًا لليسار الشعبوي والتيار الكيرشنري في الأرجنتين، معتبرًا أن استمرار التمسك ببعض السياسات السابقة يمثل عاملًا في المنافسة السياسية.
لكن هذه الاستنتاجات تعكس قراءة سياسية لصاحب التحليل، ولا تثبت وحدها وجود اتجاه انتخابي موحد في جميع دول أمريكا اللاتينية أو تحدد نتيجة الانتخابات الأرجنتينية المقبلة.
التحدي الحقيقي: تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي
تكشف المناقشات داخل الحكومة الأرجنتينية أن مسألة سعر الصرف لم تعد مقتصرة على تحديد المستوى المناسب للدولار، بل أصبحت مرتبطة بنموذج النمو الاقتصادي الذي تسعى البلاد إلى تحقيقه.
فالحكومة تراهن على استقرار العملة وانخفاض التضخم وتحسن الصادرات والفائض الخارجي، بينما يحذر بعض الاقتصاديين من أن استمرار ارتفاع القيمة الحقيقية للبيزو يحتاج إلى مكاسب إنتاجية واستثمارية تدعمه.
وتشير التجارب الدولية التي تناولها ألبرتو أديس إلى أهمية التمييز بين استقرار سعر الصرف الناتج عن تحسن هيكلي في الاقتصاد، والاستقرار الذي قد يصبح عرضة للضغوط إذا لم تتوسع القاعدة الإنتاجية.
وفي الوقت نفسه، فإن رفع سعر الدولار ليس حلًا خاليًا من التكاليف، لأنه قد يؤدي إلى زيادة التضخم وتراجع الأجور الحقيقية، حتى لو وفر مكاسب لبعض القطاعات المصدرة.
وبين هذين الاتجاهين، تواجه الأرجنتين معادلة اقتصادية معقدة: الحفاظ على الاستقرار النقدي دون إضعاف القدرة التنافسية، وتحويل نمو الصادرات إلى توسع اقتصادي يشمل الصناعة والتجارة والخدمات وفرص العمل.
ويبقى الاختبار الأساسي خلال الأشهر المقبلة هو مدى قدرة الاقتصاد على تجاوز الركود الفني واستعادة النشاط بصورة مستدامة، دون الحاجة إلى تعديل حاد في سعر الصرف أو العودة إلى مستويات مرتفعة من التضخم.






