الأرجنتين بالعربي – خاص:
حمّل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي المعارضة السياسية والتقلبات التي تشهدها الأسواق المالية العالمية مسؤولية الارتفاع الأخير في مؤشر مخاطر البلاد، الذي تجاوز مستوى 700 نقطة أساس قبل أن يتراجع إلى نحو 680 نقطة، معتبرًا أن الضغوط السياسية الداخلية والاضطرابات الدولية تؤثر في تقييم المستثمرين للاقتصاد الأرجنتيني.
وجاءت تصريحات ميلي، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، خلال مشاركته في منتدى الاقتصاد الجديد، الذي استضافه مقر النادي الملكي الكبير «ريال كازينو غران سيركولو» في العاصمة الإسبانية مدريد، حيث استعرض نتائج برنامجه الاقتصادي وتوقعاته لمستقبل الأرجنتين، بالتزامن مع توجيه انتقادات حادة إلى المعارضة الأرجنتينية ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث.
وأكد الرئيس أن حكومته نجحت في خفض مؤشر مخاطر البلاد بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات التي سجلها عند توليه السلطة، لكنه أقر بارتفاعه مجددًا خلال الفترة الأخيرة، مرجعًا ذلك إلى حالة عدم الاستقرار الدولي والتوترات السياسية المحلية.
هجوم حاد على المعارضة الأرجنتينية
استخدم ميلي عبارات قاسية لوصف خصومه السياسيين، متهمًا المعارضة بمحاولة عرقلة الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها حكومته.
وقال خلال كلمته: «نواجه وباءً أسوأ من الأورك، وهو النسخة الأرجنتينية من اشتراكية القرن الحادي والعشرين، التي تهدد باستمرار بتدمير كل شيء».
وجاءت هذه التصريحات في سياق دفاعه عن السياسات الاقتصادية التي تعتمدها إدارته، والتي يرى أنها ضرورية لتحقيق الاستقرار المالي وإعادة بناء الثقة بالاقتصاد الأرجنتيني.
واعتبر الرئيس أن الخلافات السياسية الداخلية تؤثر في توقعات الأسواق، خصوصًا عندما تثير الشكوك بشأن استمرارية الإصلاحات الاقتصادية على المدى الطويل.
وتعكس تصريحاته استمرار المواجهة السياسية بين الحكومة والقوى المعارضة بشأن مستقبل السياسات المالية والنقدية ودور الدولة في الاقتصاد.
مخاطر البلاد تتجاوز 700 نقطة أساس
تناول ميلي خلال المنتدى التطورات الأخيرة في مؤشر مخاطر البلاد، وهو أحد المؤشرات التي يستخدمها المستثمرون لتقييم مستوى المخاطر المرتبطة بالسندات السيادية الأرجنتينية.
وأوضح أن المؤشر كان يبلغ نحو 3,000 نقطة أساس عندما تولى الرئاسة في ديسمبر 2023، قبل أن ينخفض خلال فترة حكمه إلى مستويات قاربت 450 نقطة.
لكنه أقر بأن المؤشر ارتفع مجددًا خلال الأيام الأخيرة، في ظل تراجع أداء بعض الأصول المالية الأرجنتينية والضغوط التي تواجه الأسواق الناشئة.
وكان مؤشر مخاطر البلاد قد تجاوز 700 نقطة أساس، قبل أن يتراجع إلى مستويات قريبة من 680 نقطة.
وتزامنت هذه التحركات مع حالة من الحذر لدى المستثمرين بشأن مستقبل البرنامج الاقتصادي الحكومي، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية والتقلبات التي تشهدها الأسواق الدولية.
ويرتبط ارتفاع المؤشر عادة بزيادة العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الأرجنتينية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي.
ميلي: الأرجنتين أكثر تأثرًا بالتقلبات العالمية
اعتبر الرئيس أن الاقتصاد الأرجنتيني يتأثر بصورة كبيرة بالتغيرات التي تشهدها الأسواق المالية الدولية.
وقال إن العالم يمر بمرحلة مضطربة، مستخدمًا مصطلح «أصل مالي مرتفع الحساسية للمخاطر» لوصف طبيعة الاقتصاد الأرجنتيني.
ويشير هذا التعبير، المعروف في الأسواق المالية باسم «بيتا المرتفعة»، إلى الأصول التي تتعرض لتحركات سعرية أكبر من متوسط تحركات السوق عند تغير الظروف الاقتصادية والمالية.
وبحسب تفسير ميلي، فإن ارتفاع مستوى الحساسية يجعل الأرجنتين أكثر عرضة للتقلبات الدولية، حتى عندما تستمر الحكومة في تطبيق السياسات الاقتصادية التي تعتبرها ضرورية لتحقيق الاستقرار.
وربط الرئيس بين هذه الظروف الخارجية والتوترات السياسية الداخلية، معتبرًا أن الجمع بين العاملين يفسر جزءًا مهمًا من الارتفاع الأخير في مؤشر مخاطر البلاد.
الدين العام ينخفض إلى 39% من الناتج المحلي وفق ميلي
عرض الرئيس مجموعة من المؤشرات التي قال إنها تعكس التحسن الذي حققته إدارته منذ وصولها إلى السلطة.
وأكد أن نسبة الدين العام الموحد إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت من نحو 100% إلى 39% خلال فترة حكمه.
واعتبر أن هذا التراجع يمثل أحد المؤشرات الأساسية على نجاح السياسة المالية التي تعتمدها حكومته.
كما ربط بين تحسين الوضع المالي للدولة وإمكانية حصول الأرجنتين مستقبلًا على تصنيف ائتماني أعلى.
وأوضح أن استمرار الإصلاحات، إلى جانب تحسن الظروف المالية الدولية، يمكن أن يفتح المجال أمام انتقال البلاد إلى فئة الدول التي تتمتع بتصنيف استثماري.
وقال: «الأرجنتين تسير نحو الحصول على تصنيف الدرجة الاستثمارية».
وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام المتعلقة بالدين العام وردت ضمن عرض الرئيس لنتائج إدارته، وأن بلوغ التصنيف الاستثماري يمثل توقعًا سياسيًا واقتصاديًا طرحه خلال كلمته، وليس قرارًا صادرًا عن وكالات التصنيف الائتماني.
ماذا يعني حصول الأرجنتين على الدرجة الاستثمارية؟
يشير مصطلح «الدرجة الاستثمارية» إلى مستوى من التصنيف الائتماني تعتبر عنده وكالات التصنيف أن السندات تتمتع بدرجة من الجدارة الائتمانية تجعلها مناسبة لفئات أوسع من المستثمرين.
وتُصنف الديون التي تقع دون هذه الدرجة ضمن فئات أعلى مخاطرة.
ويمكن أن يؤدي حصول دولة على تصنيف استثماري إلى توسيع قاعدة المؤسسات المالية المسموح لها بالاستثمار في سنداتها، بما في ذلك بعض صناديق الاستثمار والمؤسسات التي تلتزم بقيود تتعلق بجودة الأصول.
كما قد يساهم تحسن التصنيف في تخفيض تكلفة الاقتراض، تبعًا للظروف المالية الدولية ومستوى الطلب على السندات السيادية.
ويرى ميلي أن استمرار الانضباط المالي وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي يمكن أن يمهدا الطريق أمام الأرجنتين لتحقيق هذا الهدف.
الإصلاحات الاقتصادية وإلغاء 18 ألف تنظيم
استعرض الرئيس الإجراءات التي اتخذتها حكومته ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، مشددًا على أهمية الاستمرار في تنفيذها خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى تحقيق التوازن المالي، وإعادة تنظيم أوضاع البنك المركزي الأرجنتيني، وإنهاء القيود المفروضة على سوق الصرف، باعتبارها عناصر رئيسية في استراتيجية الحكومة.
كما أكد أن إدارته ألغت نحو 18 ألف تنظيم وإجراء، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص القيود البيروقراطية وتوسيع حرية النشاط الاقتصادي.
ويرى ميلي أن هذه التغييرات تسهم في تحسين بيئة الأعمال وزيادة القدرة على جذب الاستثمارات الخاصة.
وتعتمد رؤيته الاقتصادية على تقليص التدخل الحكومي وتعزيز دور القطاع الخاص، مع المحافظة على الانضباط المالي بوصفه أحد الشروط الأساسية للاستقرار.
استثمارات بقيمة 210 مليارات دولار ضمن نظام ريجي
تناول الرئيس نظام الحوافز للاستثمارات الكبرى، المعروف اختصارًا باسم «ريجي» (RIGI)، الذي أقرته حكومته بهدف جذب المشروعات الاستثمارية الكبيرة.
وقال إن المشروعات المرتبطة بهذا النظام تبلغ قيمتها نحو 210 مليارات دولار أمريكي.
وقدم هذا الرقم بوصفه مؤشرًا على اهتمام المستثمرين بالفرص الاقتصادية المتاحة في الأرجنتين.
ويهدف النظام إلى توفير حوافز وضمانات تنظيمية وضريبية وجمركية للمشروعات المؤهلة، بما يشجع ضخ رؤوس الأموال في قطاعات استراتيجية.
لكن قيمة المشروعات التي أشار إليها الرئيس لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الأموال قد دخلت الاقتصاد بالفعل، إذ يختلف الإعلان عن المشروعات أو تقديمها للاستفادة من النظام عن تنفيذ الاستثمارات وصرف الأموال فعليًا.
وربط ميلي بين استقطاب الاستثمارات الكبرى وتحقيق نمو مستدام في الإنتاج والصادرات خلال السنوات المقبلة.
توقعات بمضاعفة الصادرات إلى 200 مليار دولار
قدم ميلي توقعات متفائلة بشأن مستقبل التجارة الخارجية الأرجنتينية، مؤكدًا أن البلاد تمتلك إمكانات تسمح بزيادة صادراتها بصورة كبيرة.
وتوقع وصول قيمة الصادرات إلى 200 مليار دولار خلال أربع سنوات، مدفوعة بالتوسع في إنتاج وتصدير الموارد الطبيعية والمعادن والطاقة.
وحدد الرئيس خمسة مجالات رئيسية يمكن أن تقود هذه الزيادة، هي النفط والغاز والليثيوم والنحاس والذهب.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة في ظل الطلب العالمي على مصادر الطاقة والمعادن المستخدمة في الصناعات الحديثة والتحول التكنولوجي.
كما أن تطوير مشروعات النفط والغاز والتعدين يمكن أن يسهم في زيادة تدفقات العملات الأجنبية وتوسيع قاعدة النشاط التصديري.
غير أن تحقيق هذه التوقعات يعتمد على تنفيذ الاستثمارات المخطط لها، وتطور الأسعار العالمية، والقدرة الإنتاجية، والبنية التحتية اللازمة لنقل الموارد وتصديرها.
ميلي يربط مستقبل النمو بإعادة انتخابه في 2027
ربط الرئيس بين استمرار برنامجه الاقتصادي والنتائج التي يتوقع تحقيقها خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن حصوله على ولاية رئاسية ثانية في انتخابات عام 2027 سيسمح بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتوسيع نطاقها.
وقال إن السنوات الأربع التالية ستكون «لا تُنسى» بالنسبة إلى الأرجنتين إذا استمرت السياسات الحالية.
كما توقع أن تدخل البلاد مرحلة من النمو الاقتصادي غير المسبوق في تاريخها.
وأوضح أن هذا السيناريو يرتبط، من وجهة نظره، باستمرار التوازن المالي وتحسين الظروف الاستثمارية وتوسيع الإنتاج في القطاعات القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وتبقى هذه التصريحات توقعات أعلنها الرئيس بشأن نتائج برنامجه الاقتصادي في حال استمراره في السلطة، وليست مؤشرات على نتائج انتخابية محسومة أو معدلات نمو مؤكدة.
هجوم على كريستينا كيرشنر وتحميل الحكومات السابقة مسؤولية التدهور
خصص ميلي جزءًا من كلمته لانتقاد الرئيسة الأرجنتينية السابقة كريستينا فرنانديث دي كيرشنر، مستخدمًا أوصافًا ساخرة وحادة للإشارة إلى وضعها القضائي.
ووصفها بأنها «السجينة المدانة، ملكة السوار الإلكتروني»، في إشارة إلى الحكم القضائي الصادر بحقها ووضعها تحت المراقبة الإلكترونية.
كما تحدث عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال الحكومات السابقة، مشيرًا إلى أن نحو 45% من الشباب كانوا يرغبون في مغادرة الأرجنتين، وفق الرقم الذي استشهد به.
وحمّل ميلي الحكومات الكيرشنرية مسؤولية التدهور الاقتصادي الذي يقول إن الأرجنتين عانت منه خلال العقود الماضية.
وجاءت تصريحاته في سياق دفاعه عن التحولات الاقتصادية التي ينفذها، ومقارنته بين نتائج برنامجه والسياسات التي اتبعتها الإدارات السابقة.
وتعكس هذه الانتقادات استمرار الخلاف السياسي بين التيار الليبرتاري الحاكم والتيار الكيرشنري بشأن أسباب الأزمات الاقتصادية وسبل معالجتها.
ميلي يهاجم بيدرو سانشيث من مدريد
لم تقتصر انتقادات الرئيس الأرجنتيني على المعارضة في بلاده، بل امتدت إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث.
وخلال كلمته في مدريد، وصف ميلي سانشيث بأنه «ديكتاتور لا يُحتمل»، مستخدمًا تعبيرات هجومية ضد الحكومة الإسبانية والتيارات الاشتراكية.
ودعا الإسبان إلى إبعاد الاشتراكيين عن السلطة، مستخدمًا عبارة «طردهم بالركلات».
كما اعتبر أن مواجهة الاشتراكية تمثل، من وجهة نظره، مسؤولية تاريخية ترتبط بمكانة إسبانيا في تطور الفكر الليبرالي.
وقال مخاطبًا الحاضرين إن إسبانيا تمثل مهد الليبرالية، معتبرًا أن ذلك يفرض على مواطنيها الدفاع عن هذا الإرث السياسي.
وتأتي هذه التصريحات في سياق الخلافات الأيديولوجية المعروفة بين ميلي وسانشيث، والتي انعكست في مناسبات سابقة على طبيعة العلاقات السياسية بين الطرفين.
دعوة المستثمرين الأجانب إلى التوجه نحو الأرجنتين
اختتم الرئيس الأرجنتيني مشاركته في المنتدى بتوجيه رسالة إلى المستثمرين ورجال الأعمال والمواطنين الأجانب، دعاهم فيها إلى النظر إلى الأرجنتين باعتبارها وجهة للاستثمار والإنتاج والإقامة.
وأكد أن حكومته تسعى إلى بناء اقتصاد يوفر فرصًا جديدة لرؤوس الأموال والمشروعات الإنتاجية.
وربط هذه الرؤية بالسياسات التي تهدف إلى تحرير الاقتصاد وتخفيف القيود التنظيمية وتحسين الظروف الاستثمارية.
وقال في ختام كلمته: «نريد أن يرى الأحرار في العالم الأرجنتين منارة للحرية، للاستثمار والقدوم للعيش فيها».
وتعكس هذه الدعوة رغبة الحكومة في تقديم الأرجنتين بوصفها سوقًا قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والتعدين والموارد الطبيعية.
بين تقلبات الأسواق والتوقعات الاقتصادية الطموحة
تأتي تصريحات ميلي في مرحلة تتداخل فيها التطورات السياسية الداخلية مع الضغوط المالية الدولية.
فارتفاع مؤشر مخاطر البلاد إلى أكثر من 700 نقطة أساس أعاد الاهتمام بمستوى ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأرجنتيني، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إبراز نتائج برنامجها المالي واستقطاب استثمارات جديدة.
ويرى الرئيس أن جزءًا مهمًا من هذه التقلبات يرتبط بالظروف العالمية وبمواقف المعارضة التي يتهمها بتهديد استمرارية الإصلاحات.
وفي المقابل، تظل قدرة الاقتصاد على تحقيق التوقعات التي طرحها، بما فيها الوصول إلى الدرجة الاستثمارية ورفع الصادرات إلى 200 مليار دولار، مرتبطة بعوامل اقتصادية ومالية متعددة خلال السنوات المقبلة.
وتجمع رؤية ميلي بين الدفاع عن نتائج حكومته الحالية والتعهد بمواصلة التحولات الاقتصادية في حال إعادة انتخابه، بينما تبقى مؤشرات الأسواق والاستثمارات الفعلية ومستويات الإنتاج والتصدير عناصر أساسية لتقييم مدى تحقق هذه الأهداف.






