الأرجنتين بالعربي – خاص:
أقرّ المجلس التشريعي في مقاطعة بوينس آيرس الأرجنتينية قانونًا جديدًا يفرض قيودًا على استخدام الهواتف المحمولة والأجهزة الرقمية داخل المدارس الابتدائية والثانوية، سواء الحكومية أو الخاصة، في خطوة تهدف إلى الحد من تشتت انتباه الطلاب وتحسين التحصيل الدراسي وتعزيز التواصل الاجتماعي المباشر داخل المؤسسات التعليمية.
وينص التشريع على عدم استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية وغيرها من الوسائل الرقمية خلال اليوم الدراسي، باستثناء الحالات التي يطلب فيها المعلم استخدامها أو يمنح إذنًا صريحًا بذلك لأغراض تعليمية.
ويمثل القانون الجديد توسعًا في القيود التي كانت مطبقة على المرحلة الابتدائية، لتشمل أيضًا المدارس الثانوية في مختلف أنحاء المقاطعة.
وجاء إقرار التشريع خلال الجلسة العادية السادسة من الدورة التشريعية الرابعة والخمسين بعد المئة لمجلس نواب مقاطعة بوينس آيرس، حيث وافق النواب على تعديل القانون رقم 15.534 الصادر في سبتمبر 2025.
حظر الاستخدام غير التعليمي طوال اليوم الدراسي
لا تقتصر القيود الجديدة على ساعات الحصص الدراسية، بل تشمل اليوم المدرسي بأكمله، بما في ذلك الفترات التي يقضيها الطلاب داخل المؤسسة التعليمية خارج الصفوف.
وتشمل الأجهزة المشمولة بالقانون الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وغيرها من الوسائل التي تتيح الدخول إلى شبكات التواصل الاجتماعي أو تبادل الرسائل أو مشاهدة المحتوى المرئي أو ممارسة الألعاب الإلكترونية.
وبموجب التعديل الجديد للمادة الثالثة من القانون، يُعرّف الاستخدام المسؤول للأجهزة الرقمية بأنه الامتناع عن استخدامها خلال اليوم التعليمي، إلا بناءً على طلب المعلم أو الحصول على موافقته الصريحة.
ويعني ذلك أن استخدام الهاتف في الأنشطة التعليمية يظل مسموحًا عندما يكون جزءًا من خطة التدريس وتحت إشراف المعلم.
أما التفاصيل المتعلقة بتطبيق القيود خلال فترات الاستراحة والأنشطة المدرسية والحالات الاستثنائية، فستحددها السلطات التعليمية المختصة عند وضع آليات التنفيذ.
توسيع القانون السابق ليشمل المدارس الثانوية
كانت مقاطعة بوينس آيرس قد أقرت في سبتمبر 2025 القانون رقم 15.534، الذي وضع قيودًا على استخدام الأجهزة الرقمية لدى طلاب المرحلة الابتدائية.
لكن التعديل الأخير وسّع نطاق التطبيق ليشمل طلاب المرحلة الثانوية أيضًا، بهدف اعتماد قواعد أكثر شمولًا بشأن استخدام التكنولوجيا في البيئة المدرسية.
وتسري الأحكام على المؤسسات التعليمية التابعة للدولة والمدارس الخاصة، دون تمييز بين أنظمة الإدارة المدرسية.
ويأتي هذا التوسع في ظل نقاش متزايد حول تأثير الاستخدام المستمر للهواتف المحمولة على التركيز والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية بين الأطفال والمراهقين.
النائب مارتين روساس: التكنولوجيا ضرورية لكن الإفراط في استخدامها يضر الطلاب
قدّم مشروع القانون النائب الإقليمي مارتين روساس، المنتمي إلى كتلة «الاتحاد والحرية» (Unión y Libertad).
وأوضح روساس أن الهدف من التشريع ليس استبعاد التكنولوجيا من العملية التعليمية، بل تنظيم استخدامها بطريقة تحافظ على فوائدها وتحد من آثار التعرض المفرط للشاشات.
وأكد أن التكنولوجيا أصبحت أداة ضرورية، وأن الطلاب بحاجة إلى تعلم استخدامها بصورة صحيحة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية يرتبط بمشكلات تؤثر في المراهقين.
وشدد على ضرورة استعادة المدرسة دورها بوصفها مساحة للتفاعل الاجتماعي المباشر بين الطلاب، بدلًا من انشغالهم المستمر بالهواتف والشاشات.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق التوازن بين تطوير المهارات الرقمية والاستفادة من التكنولوجيا التعليمية، وبين حماية بيئة التعلم من عوامل التشتيت.
مدينة بوينس آيرس تطبق قيودًا مماثلة منذ عام 2024
يأتي القانون الجديد في مقاطعة بوينس آيرس بعد إجراءات مماثلة اتخذتها حكومة مدينة بوينس آيرس المستقلة، برئاسة خورخي ماكري.
فقد بدأت العاصمة تنظيم استخدام الأجهزة الرقمية في المدارس منذ أغسطس 2024، قبل تشديد القيود في مارس 2026.
وبموجب القواعد المطبقة في المدينة، يُحظر استخدام الهواتف المحمولة داخل الصفوف الدراسية في المدارس الثانوية.
أما في مرحلتي التعليم الأولي والابتدائي، فيجب إبقاء الأجهزة الشخصية خارج الاستخدام طوال اليوم المدرسي، بما يشمل فترات الاستراحة.
وفي المرحلة الثانوية، يُمنع استخدامها أثناء الحصص، بينما تُترك لكل مدرسة صلاحية تحديد القواعد الخاصة بفترات الاستراحة.
ويظهر الاختلاف بين النظامين في أن التشريع الجديد لمقاطعة بوينس آيرس يضع قاعدة عامة لعدم الاستخدام طوال اليوم التعليمي، مع السماح بالاستثناءات المرتبطة بالأنشطة التربوية، على أن تحدد السلطات المختصة تفاصيل التنفيذ.
دراسات دولية تربط الهواتف بتشتت الانتباه وضعف الأداء الدراسي
تستند المناقشات المتعلقة بتقييد الهواتف في المدارس إلى دراسات دولية تناولت تأثير الأجهزة الرقمية على التركيز والنتائج التعليمية.
فقد أظهرت نتائج اختبار البرنامج الدولي لتقييم الطلاب «بيزا» (PISA) لعام 2022، الذي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن نحو 30% من الطلاب في الدول الأعضاء أفادوا بأن الأجهزة الرقمية تشتت انتباههم خلال جميع حصص الرياضيات أو معظمها.
وكشفت النتائج أن الطلاب الذين أبلغوا عن تعرضهم المتكرر للتشتيت حققوا، في المتوسط، درجات أقل بنحو 15 نقطة مقارنة بالطلاب الذين نادرًا ما واجهوا هذه المشكلة، حتى بعد مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية.
وتشير هذه النتائج إلى وجود علاقة بين تشتت الانتباه المرتبط بالأجهزة الرقمية والأداء الأكاديمي، دون أن تعني بالضرورة أن الهواتف وحدها مسؤولة عن جميع الفروقات في التحصيل الدراسي.
وفي دراسة أخرى أجراها الباحثان لويس فيليب بيلاند وريتشارد مورفي في مدارس ثانوية بإنجلترا، رُصد تحسن في النتائج الأكاديمية بعد فرض قيود على استخدام الهواتف المحمولة.
وكان التحسن أكثر وضوحًا لدى الطلاب الذين كانت نتائجهم الدراسية أقل قبل تطبيق القيود.
اليونسكو: 114 نظامًا تعليميًا اعتمدت حظر الهواتف في المدارس
لم تعد مسألة استخدام الهواتف المحمولة في المدارس مقتصرة على الأرجنتين، بل أصبحت موضوعًا حاضرًا في السياسات التعليمية لعدد متزايد من الدول.
ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، كان 114 نظامًا تعليميًا قد اعتمد، حتى مارس 2026، إجراءات حظر وطنية لاستخدام الهواتف المحمولة في المدارس.
وأكدت المنظمة أن هذه القيود ينبغي ألا تكون إجراءً منفصلًا عن السياسات التعليمية الأخرى، بل يجب أن تترافق مع برامج لتعزيز الثقافة الرقمية وتدريب الطلاب على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية التمييز بين التكنولوجيا بوصفها وسيلة تعليمية مفيدة، وبين الاستخدام غير المنظم للأجهزة الذي قد يؤثر في التركيز والتفاعل داخل المدارس.
إقرار قانون جديد لمكافحة العنف الرقمي بين الطلاب
لم تقتصر الجلسة التشريعية في مقاطعة بوينس آيرس على تنظيم استخدام الهواتف، بل شهدت أيضًا الموافقة على قانون آخر يتعلق بحماية الطلاب من العنف في البيئات الرقمية.
وقدمت المشروع النائبة مايرا ميندوزا، تحت اسم «قانون إيما» (Ley Ema)، بهدف ضمان حق الطلاب في بيئة رقمية آمنة وخالية من العنف.
وينص القانون على وضع سياسات وأدوات وإجراءات للوقاية من أشكال العنف التي تحدث عبر الوسائل التكنولوجية والتعامل معها.
كما يعزز حق الطلاب في الحصول على تعليم رقمي آمن في مختلف المراحل والمستويات التعليمية التابعة للنظام التعليمي في المقاطعة.
ويتضمن التشريع إنشاء برنامج إقليمي يوفر الموارد اللازمة للمؤسسات التعليمية، ويساعدها على تحسين التعايش الرقمي والتدخل عند وقوع اعتداءات أو مضايقات أو حالات تحرش وتنمر عبر المنصات الإلكترونية.
وكان المشروع قد خضع لتعديلات في مجلس الشيوخ بمقاطعة بوينس آيرس، قبل إعادته إلى مجلس النواب الذي منحه الموافقة النهائية.
إدخال التربية العاطفية إلى المناهج التعليمية
أقر مجلس النواب أيضًا تشريعًا ثالثًا قدمته النائبة لوسيانا بادولو، يتضمن تعديل القانون رقم 13.688 المنظم للنظام التعليمي في مقاطعة بوينس آيرس.
ويهدف التعديل إلى إدخال التربية العاطفية ضمن العملية التعليمية في المراحل الأولية والابتدائية والثانوية.
وتسعى المبادرة إلى تزويد الطلاب بأدوات تساعدهم على التعرف إلى مشاعرهم وفهمها والتعامل معها بصورة سليمة.
كما تستهدف تطوير المهارات الشخصية والاجتماعية لدى الأطفال والمراهقين، وتعزيز قدرتهم على التفاعل مع الآخرين وحل الخلافات وتحسين العلاقات داخل المؤسسات التعليمية.
وخلال المناقشات البرلمانية، شددت بادولو على الحاجة الملحة إلى اتخاذ خطوات عملية لدعم الأطفال والمراهقين.
واعتبرت أن على البالغين والمؤسسات المعنية تحمل مسؤولياتهم وعدم تجاهل المشكلات التي يواجهها الطلاب، داعية إلى تحويل القانون الجديد إلى إجراءات ملموسة داخل المدارس.
ثلاث تشريعات لإعادة تنظيم البيئة المدرسية
تشكل القوانين الثلاثة التي أقرها مجلس نواب مقاطعة بوينس آيرس حزمة من الإجراءات التعليمية التي تتناول جوانب مختلفة من الحياة المدرسية.
فالقانون الأول ينظم استخدام الهواتف المحمولة والأجهزة الرقمية، بينما يركز الثاني على الوقاية من العنف الإلكتروني وتعزيز السلامة الرقمية، ويستهدف الثالث إدخال التربية العاطفية وتنمية المهارات الاجتماعية لدى الطلاب.
ومن المنتظر أن تتولى السلطات التعليمية في المقاطعة تحديد الآليات التنفيذية اللازمة لتطبيق القيود الجديدة على الأجهزة الرقمية في المدارس الثانوية، إلى جانب تطوير الأدوات والبرامج المنصوص عليها في التشريعين الآخرين.
وتبرز أهمية هذه الإجراءات في مقاطعة بوينس آيرس، التي تضم شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، ما يجعل تطبيق القواعد الجديدة مرتبطًا بالتنسيق بين السلطات التعليمية وإدارات المدارس والمعلمين والأسر.
وبموجب التشريعات الجديدة، تتجه المقاطعة إلى تنظيم استخدام التكنولوجيا داخل المدارس بصورة أكثر صرامة، مع الإبقاء على دورها التعليمي، وتعزيز الإجراءات الرامية إلى حماية الطلاب وتحسين التركيز والتفاعل الاجتماعي داخل البيئة المدرسية.






