الأرجنتين بالعربي – خاص:
تُظهر المؤشرات الاقتصادية في الأرجنتين تحسنًا في الحسابات الخارجية خلال عام 2026، مدعومًا باستقرار سعر الدولار وتشجيع القطاعات الإنتاجية ذات التوجه التصديري، مقابل ضعف نسبي في الطلب الداخلي، ما سمح بتحقيق نتيجة لم تشهدها البلاد منذ سبع سنوات، وهي تسجيل فائض في الحساب الجاري لميزان المدفوعات.
ويمثل تحقيق فائض في الحساب الجاري عاملًا مهمًا للاقتصاد، لأنه يعني أن البلاد تحصل من صادرات السلع والخدمات والإيرادات القادمة من الخارج على عملات أجنبية تفوق ما تنفقه على الواردات، وهو ما يمكن أن يساهم في تراكم الاحتياطيات وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
فائض بقيمة 3.531 مليارات دولار
خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، سجل الحساب الجاري فائضًا قدره 3.531 مليارات دولار، مقارنة بعجز بلغ 1.795 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وبحسب تقرير لشركة Allaria، بلغ التحسن المتراكم في الحساب الجاري نحو 5.327 مليارات دولار، مدفوعًا بتحسن الميزان التجاري بمقدار 8.947 مليارات دولار، فيما جرى تعويض جزء من هذه المكاسب بزيادة مدفوعات الفوائد بمقدار 2.025 مليار دولار وتحويل أرباح بقيمة 3.222 مليارات دولار لم يكن مسموحًا بدفعها في العام السابق.
كما أظهر الميزان النقدي للبنك المركزي أن الحساب الجاري والحساب المالي سجلا نتائج إيجابية خلال الأشهر الاثني عشر المنتهية في يوليو/تموز 2026، وهو ما ترافق مع زيادة الاحتياطيات الدولية بنحو 5.940 مليارات دولار.
الحساب المالي يسجل فائضًا
بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، حقق الحساب المالي فائضًا قدره 2.726 مليار دولار، مقارنة بفائض بلغ 3.071 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بعد استبعاد التدفقات الاستثنائية التي قدمها صندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان من العام الماضي والبالغة 12.396 مليار دولار.
ويبرز أداء عام 2026 بصورة إيجابية عند مقارنته بالسنوات التي لم تكن فيها قيود على سوق الصرف، إذ يتجه الحساب الجاري لتحقيق نتيجة أفضل من عام 2019، وإن بقي دون مستويات أعوام 2007 و2008 و2009.
وبحسب المحلل المالي سلفادور دي ستيفانو – Salvador Di Stefano، حقق الحساب الجاري النقدي خلال الأشهر الاثني عشر المنتهية في 31 يوليو/تموز فائضًا قدره 2.549 مليار دولار، مدعومًا بفائض في تجارة السلع بلغ 28.2 مليار دولار، مقابل مدفوعات فوائد بقيمة 12.8 مليار دولار وعجز في ميزان الخدمات بلغ 9.4 مليارات دولار.
الطاقة وفاكا مويرتا في قلب التحسن
لعب قطاع الطاقة دورًا رئيسيًا في النتيجة الإيجابية، إذ بلغ الفائض التجاري للطاقة 6.853 مليارات دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز 2026.
وجاء ذلك مدفوعًا بنمو إنتاج فاكا مويرتا (Vaca Muerta) وزيادة المبيعات الخارجية، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 53% خلال العام واقترابها من 100 دولار للبرميل.
وسجلت صادرات قطاع الطاقة رقمًا قياسيًا بلغ 9.151 مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بزيادة سنوية قدرها 50%.
أكثر من 40 مليار دولار من الودائع الدولارية
بالتوازي مع عمليات شراء العملات الأجنبية التي ينفذها البنك المركزي الأرجنتيني (BCRA) لإعادة بناء صافي الاحتياطيات، ما يزال الأفراد يحتفظون بطلب قوي على الدولار.
وتجاوزت الودائع النقدية بالدولار لدى القطاع الخاص 40 مليار دولار، أي أنها قاربت ثلاثة أضعاف مستواها البالغ قليلًا أكثر من 14 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وبحسب Quantum Finanzas، شهد الاقتصاد الأرجنتيني منذ نهاية عام 2023 عملية «دولرة تدريجية»، بالتوازي مع توسع البنوك في إقراض القطاع الخاص، وبنسبة أكبر نسبيًا بالدولار مقارنة بالبيزو، مستفيدة من النمو الكبير في الودائع بالعملة الأمريكية.
ماذا يعني ذلك لمؤشر مخاطر البلاد؟
شهدت الأسهم والسندات الأرجنتينية شهر أغسطس/آب سلبيًا، فيما ارتفع مؤشر مخاطر البلاد (Riesgo País) بنسبة 18%.
لكن الصورة بدأت تتغير خلال سبتمبر/أيلول، إذ عاد مؤشر JP Morgan إلى ما دون مستوى 500 نقطة أساس، ليقترب من مستوى 403 نقاط الذي سجله في يوليو/تموز 2026، وهو أدنى مستوى منذ 20 أبريل/نيسان 2018.
ويشكل اجتماع عدة عوامل — فائض الحساب الجاري، واستقرار الدولار، وارتفاع أسعار الحبوب والطاقة وتحسن صافي الاحتياطيات — بيئة قد تسمح بمزيد من الانخفاض في مؤشر مخاطر الأرجنتين.
سيناريوهان لمخاطر البلاد حتى نهاية 2026
وضعت Allaria سيناريوهين محتملين حتى ديسمبر/كانون الأول.
في السيناريو الأساسي، يمكن للبنك المركزي شراء ما مجموعه 19 مليار دولار خلال 2026، بعدما تجاوزت مشترياته حتى الآن 14 مليار دولار. كما يفترض السيناريو استمرار انخفاض التضخم وتحسن الأجور الحقيقية.
وفي هذه الحالة، ترى Allaria إمكانية عودة الحكومة إلى أسواق رأس المال الدولية وإصدار ديون بقيمة 5 مليارات دولار، مع انخفاض مؤشر مخاطر البلاد إلى نحو 400 نقطة أساس ودخول الاقتصاد في مرحلة من الوصول الجزئي إلى الأسواق الدولية.
أما السيناريو الثاني فيفترض توقف الحكومة عن شراء الدولار وإنهاء العام بمشتريات تراكمية تبلغ 10 مليارات دولار، بالتزامن مع توقف انخفاض التضخم وارتفاع سعر الصرف وتراجع الأجور الحقيقية.
وفي هذه الحالة، قد تفشل الحكومة في إصدار ديون في الأسواق الدولية، وتزداد حالة عدم اليقين بشأن البرنامج المالي لعام 2027، ما قد يدفع مؤشر مخاطر البلاد إلى نحو 700 نقطة أساس.
ويرى المحلل مارتين ماتسا – Martín Mazza أن السوق بدأ يناقش حاليًا مقدار المجال المتبقي أمام الأرجنتين لمواصلة خفض المخاطر، ومدى إمكانية انتقال هذا التحسن إلى تكلفة رأس المال وتقييم الأصول.
واعتبر أن الأرجنتين لم تعد تتحرك فقط باعتبارها سوقًا ناشئة أخرى، وإنما تشهد تحسنًا في مخاطرها الخاصة، فيما سيكون الاختبار الحقيقي هو قدرة الأصول الأرجنتينية على مواصلة التحسن حتى في بيئة عالمية تتسم ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة.
