الأرجنتين بالعربي – خاص:
عادت الخلافات الداخلية بين أجنحة حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعد نحو خمسة أشهر من التهدئة الحذرة التي أعقبت واحدة من أشد المواجهات بين التيارات المتنافسة داخل حزب «الحرية تتقدم» (La Libertad Avanza).
ورغم محاولات احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة سياسية مفتوحة، كشفت سجالات جديدة بين مسؤولين ونواب وناشطين مقربين من مراكز القرار عن استمرار الصراع على النفوذ، ولا سيما بين التيار المحسوب على مستشار الرئيس سانتياغو كابوتو والجناح المرتبط بشقيقة الرئيس والأمينة العامة للرئاسة كارينا ميلي.
وامتدت الخلافات من مواقع التواصل الاجتماعي إلى ملفات التمثيل السياسي للشباب والانتخابات المقبلة، وصولًا إلى قضايا تتعلق بالإسلام والعلاقات الخارجية والقرارات الحكومية، وسط تقارير عن توتر طال العلاقة بين الرئيس وشقيقته.
هدنة هشة بعد أزمة «روفوس»
تعود جذور التهدئة الحالية إلى المواجهة التي اندلعت في مايو الماضي، عقب ما عُرف إعلاميًا بقضية «روفوس» (Rufus)، عندما وصلت الخلافات بين التيارات الليبرتارية إلى مستوى غير مسبوق.
وشهدت تلك الأزمة تبادل اتهامات مباشرة عبر الحساب المجهول «PeriodistaRufus»، الذي نسب سانتياغو كابوتو والناشط المعروف بلقب «إل غوردو دان» إدارته إلى رئيس مجلس النواب مارتين مينيم.
وبعد التصعيد، وافق تيار «قوات السماء» (Las Fuerzas del Cielo)، المرتبط بكابوتو، على الابتعاد عن الملفات السياسية والحزبية والتشريعية التي اعتبر جناح مينيم أنها تدخل ضمن اختصاصاته.
وفي المقابل، أوقف الأخوان مينيم الهجوم المضاد على خصومهما داخل الحزب، ما سمح للطرفين بالحفاظ على هدنة غير معلنة استمرت عدة أشهر.
لكن التطورات الأخيرة أعادت إظهار هشاشة هذا التفاهم.
انتخابات البرازيل تشعل مواجهة بين رومو ودييز
بدأت أحدث موجات التوتر على خلفية نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في البرازيل، بعد تقدم فلافيو بولسونارو على لولا دا سيلفا، بانتظار جولة الإعادة.
واستغل ناشطون شباب من التيار الليبرتاري المقرب من سانتياغو كابوتو هذه النتائج للتعبير عن استيائهم من عدم منحهم مساحة سياسية مماثلة داخل حزب «الحرية تتقدم» خلال العام الماضي.
وأثار هذا الطرح انزعاج الجناح المقرب من كارينا ميلي، لتندلع مواجهة علنية بين النائب في برلمان مقاطعة بوينس آيرس أغوستين رومو، الذي أثار القضية أولًا، والنائبة الوطنية عن مقاطعة سانتا في رومينا دييز، المحسوبة على كارينا ميلي.
وردّت دييز على رومو، الذي يتردد باستمرار على مكاتب كابوتو، ثم دخلت في سجالات مع عدد من الناشطين الرقميين المرتبطين بتيار «قوات السماء»، بعدما وجهوا إليها انتقادات حادة.
وبحسب مصادر من الطرفين، جاءت هذه الردود بصورة عفوية ومن منطلقات شخصية، من دون أن تكون جزءًا من مواجهة منظمة بين قيادات التيارين.
وأكدت مصادر في القصر الرئاسي أن رومو عبّر عن رأيه الشخصي، فيما أوضحت أوساط دييز أنها ردّت لأنها اعتبرت الانتقادات غير عادلة.
وحاول الطرفان احتواء السجال، خصوصًا بعدما اتسع بين ناشطين لا يرتبطون بالضرورة بالهياكل التنظيمية الرسمية للحزب.
«قوات السماء» تتهم جناح كارينا بمحاولة تقليدها
كشف أحد قياديي النشاط السياسي الرقمي، في تصريحات لصحيفة «إنفوباي»، عن عمق الاستياء داخل التيار المقرب من كابوتو.
وقال إن الشباب الذين تدفع بهم رومينا دييز إلى الواجهة يمثلون، بحسب وصفه، صفوفًا متأخرة من الناشطين الليبراليين من دون أن يمتلكوا الهوية السياسية الحقيقية للتيار.
وأضاف منتقدًا محاولات منافسيهم تشكيل مجموعات شبابية مشابهة:
«نحن في قوات السماء شكّلنا مجموعة نخبوية، ثم أبعدونا عن المشهد. والآن يريدون تقليدنا، لكنهم مجرد نسخة تيمو منا. إنهم يفتقرون إلى الهالة التي نمتلكها».
واستخدم الناشط اسم منصة التجارة الإلكترونية «Temu» للتقليل من شأن المجموعات المنافسة، معتبرًا أنها مجرد نسخة أقل قيمة من التنظيم الأصلي.
كما أعرب عن خيبة أمله من التحول الذي شهده حزب «الحرية تتقدم»، قائلًا إنه تخلى عن دوره باعتباره قوة سياسية بديلة، وأصبح يتصرف كحزب تقليدي.
انتخابات 2027 تزيد التنافس على المقاعد
لم تعد الخلافات بين المجموعات الشبابية محصورة في النشاط الرقمي، بل أصبحت مرتبطة بمواقع النفوذ والتمثيل السياسي في انتخابات عام 2027.
وفي جناح كارينا ميلي، تشير التقديرات إلى أن فرص حصول شباب «قوات السماء» على مواقع متقدمة في القوائم الانتخابية قد تكون أقل من تلك التي أتيحت لهم في الانتخابات التشريعية لعام 2025.
وقال مصدر من هذا الجناح إن المنافسين لا يأخذون في الاعتبار أن العام المقبل قد يكون أكثر تعقيدًا، بسبب تقلص عدد المقاعد المتاحة.
وأوضح أن عددًا كبيرًا من النواب الحاليين سيخوضون الانتخابات مجددًا، فضلًا عن وجود اتفاقات سياسية مع الحلفاء يجب احترامها عند إعداد القوائم.
وفي هذا السياق، كثّف سيباستيان باريخا، رئيس حزب «الحرية تتقدم» في مقاطعة بوينس آيرس، نشاطه بين الشباب، ونظّم تجمعًا واسعًا لناشطين من المقاطعة.
كما نشر مؤيدوه مقطعًا دعائيًا شارك فيه ناشطون من أنصار ميلي في أوائل العشرينيات من أعمارهم، عبّروا خلاله عن دعمهم لباريخا.
وفي مدينة روساريو، ترأست رومينا دييز فعالية بعنوان «شباب الحرية تتقدم في سانتا في»، وسلطت الضوء عليها عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتعكس هذه التحركات سعي كل جناح إلى تعزيز حضوره بين الأجيال الشابة قبل بدء الترتيبات الانتخابية المقبلة.
الجدل حول الإسلام يعيد الخلاف مع عائلة مينيم
برز ملف آخر من ملفات التوتر يتعلق بالمواقف من الإسلام، لكن مع اختلاف مواقع الأطراف المتواجهة.
فبينما لم يرد أغوستين رومو على انتقادات رومينا دييز، اختار الأخوان مينيم عدم الرد على الناشط دانيال باريسيني، المعروف بلقب «إل غوردو دان»، عندما ربطهما بضغوط مزعومة تعرض لها عقب شكوى تقدم بها المركز الإسلامي ضده.
وكان باريسيني قد اعتبر أن الشكوى تستهدف تقييد حريته في التعبير.
وتعود خلفية هذا الخلاف إلى أواخر ديسمبر الماضي، عندما نشر الناشط انتقادات للإسلام، فردّت عليه زوليميتا مينيم برسالة علنية.
وأعادت التطورات الأخيرة هذه القضية إلى دائرة التوتر بين المجموعات الليبرتارية، وإن تجنب قادة الجناحين الدخول في مواجهة مباشرة بشأنها.
إيران وتفجير آميا.. ملف قضائي يدخل حسابات النفوذ
امتدت القراءات السياسية للخلافات الداخلية إلى المبادرات الحكومية المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن القومي.
فقد ربط بعض المراقبين داخل الأوساط السياسية بين الخطة التي يدرسها وزير العدل خوان باوتيستا ماهيكس، المقرب من جناح كارينا ميلي، لرفع دعوى ضد إيران أمام محكمة العدل الدولية بشأن تفجير المركز اليهودي الأرجنتيني «آميا» (AMIA)، وبين التنافس على المبادرات السياسية داخل الحكومة.
وبحسب هذه القراءة، قد تمثل الخطوة محاولة لتقديم مشروع ذي وزن سياسي مماثل لمشروع قانون الدفاع عن السيادة الوطنية، الذي يُنسب إلى سانتياغو كابوتو.
وكان مشروع القانون الأخير قد أُحيل إلى الكونغرس في 17 سبتمبر، ولا يقتصر على قضية جزر مالفيناس، بل يتضمن إنشاء مجلس للأمن القومي وسجل للأشخاص والكيانات المرتبطة بالإرهاب.
وتشير قراءة أخرى إلى أن تحرك وزير العدل قد يكون محاولة لتعزيز التقارب مع الرئيس ميلي، الذي يسعى باستمرار إلى توطيد العلاقات مع إسرائيل.
ومع ذلك، لا تزال هذه التفسيرات في إطار التحليلات السياسية، بينما لم تتضح بصورة نهائية طبيعة الخطة القضائية المتعلقة بإيران.
توتر بين خافيير ميلي وشقيقته كارينا
رغم تعدد المواجهات بين المسؤولين والناشطين، تشير مصادر رفيعة داخل الحزب الحاكم إلى أن الخلاف الأعمق يتعلق بالعلاقة بين الرئيس خافيير ميلي وشقيقته كارينا.
وبحسب تلك المصادر، وقع خلاف جديد بين الشقيقين قبل نحو ثلاثة أسابيع، عندما قرر الرئيس إجراء إعادة هيكلة داخل مقر الإقامة الرئاسية في أوليفوس.
وأدت التغييرات إلى مغادرة بيلين أغودييث (Belén Agudiez)، وكيلة وزارة التخطيط العام، التي كانت تُعد من أبرز الشخصيات المقربة من كارينا ميلي ومساعداتها الأساسيات.
ومنذ ذلك الحين، نفى الطرفان علنًا وجود خلافات بينهما، غير أن أشخاصًا يتعاملون معهما بصورة مباشرة أقروا بأن العلاقة شهدت توترًا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التباينات لا تقتصر على توزيع الأدوار بين الأجنحة السياسية، بل تمتد إلى بعض القرارات المتعلقة بإدارة السلطة داخل الحكومة نفسها.
الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم يدخل دائرة الخلاف
تتهم أوساط من «قوات السماء» الأخوين مينيم، بدعم من كارينا ميلي، باتخاذ مواقف تتعارض أحيانًا مع توجهات الرئيس.
ومن الأمثلة التي تطرحها هذه الأوساط التقارب مع كلاوديو «تشيكي» تابيا، رئيس الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم (AFA)، وتقديم الدعم له، رغم رغبة الرئيس ميلي في اتخاذ خطوات ضد قيادة الاتحاد.
وتذهب بعض الأطراف المعارضة إلى تفسير هذه التباينات بطريقة مختلفة، إذ تعتقد أنها قد تكون جزءًا من توزيع متفق عليه للأدوار بين شخصيات الحكومة، وفق أسلوب «الشرطي الجيد والشرطي السيئ»، لإظهار خلافات تخفي وراءها أهدافًا مشتركة.
لكن مصادر حكومية تؤكد أن الاختلافات حقيقية، وأنها تثير القلق داخل السلطة التنفيذية.
هدنة قائمة على تقاسم النفوذ لا على المصالحة
على الرغم من عودة السجالات والتوترات، لا يبدو أن أيًا من الجناحين يرغب حاليًا في تحويل الخلافات إلى مواجهة شاملة قد تؤثر على تماسك الحكومة.
ولهذا يسعى الطرفان إلى خفض حدة التصريحات، واحتواء الخلافات بين الناشطين، وتجنب الدخول المباشر في الملفات التي يعتبرها الطرف الآخر جزءًا من نفوذه السياسي.
غير أن التهدئة لا تستند إلى توافق حقيقي في الرؤى أو المصالح، بل إلى تفاهم غير معلن يقوم على عدم التدخل في مجالات نفوذ الآخرين.
وبينما يستمر هذا التفاهم حتى الآن، تكشف المواجهات الأخيرة أن الصراع داخل «الحرية تتقدم» لم ينتهِ، وأن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتوزيع السلطة والقرارات الحكومية قد تعيد إشعاله في أي وقت.






