الأرجنتين بالعربي – خاص:
شهدت مدينة بوينس آيرس أزمة حادة في شبكة مترو الأنفاق، بعدما أدى احتجاج نقابي على اعتقال عدد من ممثلي العمال إلى توقف كامل للخطوط الستة وخدمة بريمترو، ما تسبب في اضطراب حركة النقل العام وتأثر آلاف الركاب الذين يعتمدون على هذه الوسيلة في تنقلاتهم اليومية.
وأعلن رئيس حكومة مدينة بوينس آيرس، خورخي ماكري، تأييده للإجراءات الأمنية واعتقال النقابيين، مؤكدًا أن تعطيل الخدمات الأساسية لن يكون مقبولًا خلال إدارته للعاصمة الأرجنتينية.
وقال ماكري في تصريحات نشرها من إسبانيا، حيث يجري زيارة رسمية، إن «من يعطّل خدمة أساسية يذهب إلى السجن»، في موقف يعكس تصاعد المواجهة بين الحكومة المحلية والنقابة الممثلة لعمال مترو الأنفاق.
وجاءت تصريحاته بعد توقف حركة القطارات يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، إثر تدخل شرطة المدينة خلال احتجاج عمالي في إحدى محطات الخط الثاني من شبكة المترو، المعروف بالخط «بي».
بداية الأزمة في محطة خوان مانويل دي روساس
بدأت الأحداث في محطة خوان مانويل دي روساس، وهي المحطة النهائية للخط «بي»، عندما تدخلت شرطة مدينة بوينس آيرس خلال تحرك احتجاجي شمل فتح بوابات الدخول أمام الركاب دون المرور بإجراءات دفع التذاكر المعتادة.
ويُستخدم هذا الأسلوب أحيانًا في الاحتجاجات النقابية داخل شبكة المترو، بهدف التعبير عن الاعتراض على قرارات إدارية أو عمالية دون وقف حركة القطارات في المرحلة الأولى.
لكن التدخل الأمني أدى إلى تصاعد التوتر، قبل أن تتحول الأزمة إلى توقف شامل لخدمات النقل تحت الأرض.
وامتد الإضراب إلى الخطوط الستة «أيه» و«بي» و«سي» و«دي» و«إيه» و«إتش»، بالإضافة إلى خدمة بريمترو.
وأدى توقف الشبكة إلى حرمان آلاف المستخدمين من خدمات النقل المعتادة، في واحدة من أبرز حالات التصعيد النقابي التي شهدتها شبكة المترو خلال الفترة الأخيرة.
اعتقال ثلاثة من ممثلي العمال
خلال الأحداث، أوقفت السلطات الأمنية ثلاثة من المندوبين النقابيين البارزين في قطاع مترو الأنفاق.
وشملت الاعتقالات كلاوديو ديلي كاربونارا وسيباستيان كاريزو، قبل أن يُعتقل لاحقًا القيادي النقابي نيستور سيغوفيا.
وأثارت هذه الإجراءات رد فعل مباشرًا من الجمعية النقابية لعمال مترو الأنفاق وبريمترو، التي اعتبرت الاعتقالات تعسفية ومرتبطة بالتحرك الاحتجاجي الذي كان ينفذه العمال.
وأعلنت النقابة أن الإضراب سيستمر حتى إطلاق سراح الموقوفين، محمّلة السلطات مسؤولية تصاعد النزاع.
كما ربطت النقابة الاحتجاج بعقوبة وظيفية فُرضت على أحد العمال، واتهمت الشركة المشغلة بعدم الاستجابة للحوار بشأن الخلافات العمالية القائمة.
خورخي ماكري يدافع عن الإجراءات القضائية والأمنية
رد رئيس حكومة بوينس آيرس على الأزمة بلهجة حازمة، معلنًا دعمه لتنفيذ القرارات القضائية وعدم التساهل مع التحركات التي تؤدي إلى تعطيل خدمات النقل.
وقال ماكري في رسالته المنشورة من إسبانيا:
«في إدارتي نسمي الأشياء بأسمائها: ما يأمر به القضاء يُنفذ. لن نقبل بممارسات ابتزاز ذات طابع مافيوي».
وأكد أن حكومته لن تسمح باستخدام خدمات النقل العام وسيلة للضغط بما يؤثر في حياة السكان الذين يعتمدون على المترو في تنقلاتهم اليومية.
واعتبر أن تعطيل الخدمة الأساسية لا يمكن تبريره بالخلافات النقابية، مشددًا على ضرورة احترام القانون والقرارات الصادرة عن السلطات القضائية.
اتهامات حادة للنقابيين بالتسبب في معاناة الركاب
لم يقتصر موقف ماكري على تأييد الاعتقالات، بل وجه انتقادات مباشرة إلى القيادات النقابية المشاركة في الاحتجاج.
وقال إنه لن يسمح لهؤلاء بالتسبب في معاناة ملايين الأشخاص من أجل الدفاع عما وصفه بمصالحهم الخاصة، ثم الإفلات من العواقب.
واستخدم رئيس حكومة المدينة عبارات شديدة اللهجة في انتقاده للموقوفين، مؤكدًا أن الإجراءات المتخذة بحقهم يجب ألا تمر دون مساءلة.
واختتم رسالته بشعار «القانون والنظام»، في إشارة إلى السياسة التي يقول إنه يعتمدها في التعامل مع الاحتجاجات التي تؤثر في الخدمات العامة.
وتعكس هذه التصريحات تشدد موقف الحكومة المحلية في مواجهة الإجراءات الاحتجاجية التي تتسبب في وقف حركة النقل، مقابل إصرار النقابة على الدفاع عن ممثليها والمطالبة بإطلاق سراحهم.
النقابة تتحدث عن اعتقالات تعسفية وغياب الحوار
من جهتها، قدمت الجمعية النقابية لعمال مترو الأنفاق وبريمترو رواية مختلفة للأحداث.
وأكدت أن التحرك العمالي جاء على خلفية عقوبة مهنية طالت أحد العاملين، مشيرة إلى أن الخلاف تفاقم بسبب غياب الحوار مع الشركة.
واعتبرت أن اعتقال المندوبين النقابيين خلال الاحتجاج يمثل إجراءً تعسفيًا، وأعلنت استمرار الإضراب إلى حين الإفراج عنهم.
ويكشف هذا التباين عن خلاف جوهري بين الطرفين بشأن طبيعة الإجراءات المتخذة، إذ ترى الحكومة أن تعطيل خدمات النقل يستوجب تطبيق القانون، بينما تعتبر النقابة أن ما حدث يستهدف ممثلي العمال خلال ممارسة نشاط احتجاجي.
ولم تتضمن المعلومات المتاحة إعلانًا نهائيًا بشأن الوضع القضائي للموقوفين أو نتيجة المفاوضات المتعلقة باستئناف الخدمة.
الأزمة تسبق انتخابات نقابية مهمة
تأتي المواجهة بين حكومة بوينس آيرس ونقابة المترو قبل أكثر من شهر بقليل من موعد الانتخابات الداخلية للجمعية النقابية لعمال مترو الأنفاق وبريمترو.
ومن المقرر إجراء الانتخابات في 26 نوفمبر 2026، وسط منافسة بين ثلاث قوائم تسعى إلى قيادة التنظيم النقابي.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد وفاة القيادي النقابي التاريخي روبرتو بيانيلي، الذي كان أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالحركة النقابية في قطاع مترو الأنفاق.
وتشهد النقابة بذلك مرحلة إعادة ترتيب داخلي، بالتزامن مع تصاعد الخلافات العمالية والإدارية المرتبطة بقطاع النقل.
ولا تتضمن المعلومات المنشورة ما يثبت وجود علاقة مباشرة بين المنافسة الانتخابية الداخلية وقرار الإضراب، إلا أن تزامن الحدثين يضع الأزمة في سياق مرحلة حساسة بالنسبة إلى التنظيم النقابي.
خلاف بين استمرارية الخدمات وحقوق الاحتجاج
أعادت الأزمة طرح النقاش حول حدود الاحتجاجات العمالية عندما تؤدي إلى توقف خدمات النقل العام، ومدى صلاحيات السلطات الأمنية والقضائية في التعامل مع التحركات النقابية.
وتتمسك حكومة بوينس آيرس بموقف يعتبر أن حماية استمرارية الخدمات الأساسية وتنفيذ القرارات القضائية يمثلان أولوية لا يجوز تجاوزها.
في المقابل، تصر النقابة على أن مطالب العمال والاعتراض على العقوبات المهنية واعتقال المندوبين تستوجب استجابة من السلطات والشركة المشغلة.
وتبقى المسؤوليات القانونية المتعلقة بالأحداث والاعتقالات خاضعة للإجراءات القضائية المختصة، بعيدًا عن المواقف السياسية والنقابية المعلنة.
ومع استمرار الخلاف بين الطرفين، تتجه الأنظار إلى مصير الموقوفين وإمكانية التوصل إلى تسوية تسمح بعودة حركة القطارات بصورة طبيعية، بعد توقف شمل شبكة مترو بوينس آيرس بأكملها.






