الأرجنتين بالعربي – خاص:
دافع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بقوة عن برنامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التقشف التي تنفذها حكومته، خلال كلمة ألقاها أمام غرفة التجارة الأمريكية في العاصمة واشنطن، مؤكدًا أن النتائج التي حققتها إدارته، ولا سيما خفض العجز المالي وتراجع مؤشر مخاطر البلاد، تثبت قدرة البرنامج الاقتصادي على الاستمرار، رغم تباطؤ النمو وضعف الاستثمارات واستمرار التحديات المرتبطة بسوق العمل والفقر.
وجاءت تصريحات ميلي في وقت شهدت فيه الأسواق المالية الأرجنتينية تراجعًا في أسعار السندات السيادية المقومة بالدولار، بالتزامن مع ارتفاع مؤشر مخاطر البلاد إلى أعلى مستوى له منذ الثاني من أكتوبر، في مفارقة بين التقييم المتفائل الذي قدمه الرئيس والأداء الفعلي للأسواق خلال خطابه.
ميلي يدافع عن خفض العجز المالي وتراجع مخاطر البلاد
ركز الرئيس الأرجنتيني في كلمته على ما وصفه بالنتائج الإيجابية لسياسة الانضباط المالي، معتبرًا أن الوصول السريع إلى التوازن في الحسابات العامة كان عاملًا أساسيًا في تقليص المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الأرجنتيني.
وقال ميلي إن تحقيق عجز مالي صفري خلال فترة قصيرة أدى إلى انخفاض حاد في مؤشر مخاطر البلاد، موضحًا أن المؤشر كان يبلغ نحو 3000 نقطة أساس عندما تولت حكومته السلطة، بينما أصبح يدور حاليًا حول 600 نقطة.
وأضاف أن حكومته تبنت مبدأ الملاءة المالية على المدى الطويل، وأن الأرجنتين ستواصل الوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها في جميع الأوقات، معتبرًا أن هذه السياسة تفسر الاتجاه التراجعي لمؤشر المخاطر.
غير أن الأسواق المالية سجلت خلال إلقاء الخطاب تحركات مغايرة لهذا التقييم، إذ انخفضت أسعار السندات السيادية الأرجنتينية المقومة بالدولار، بما فيها سندات بوناريس وغلوباليس، بنسبة بلغت 0.7% في المتوسط.
وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر مخاطر البلاد الذي يعده بنك جيه بي مورغان إلى 640 نقطة أساس، مسجلًا أعلى مستوى له منذ الثاني من أكتوبر.
ويُستخدم هذا المؤشر لقياس الفارق بين العائد المطلوب على سندات دولة معينة والعائد على السندات الأمريكية المرجعية، بما يعكس تقييم الأسواق للمخاطر المرتبطة بإقراض تلك الدولة.
الرئيس ينفي وجود أزمة بطالة في الأرجنتين
لم تقتصر مداخلة ميلي على المؤشرات المالية، بل تناول أيضًا أوضاع سوق العمل وتأثير إعادة توزيع الموارد الاقتصادية الناتجة عن سياسات حكومته.
وأكد الرئيس أن الأرجنتين لا تواجه، من وجهة نظره، مشكلة حقيقية في مستويات التوظيف، مستندًا إلى مقارنة بين معدلات البطالة التاريخية والمستويات الحالية.
وقال إن المعدل الطبيعي التاريخي للبطالة في الأرجنتين يدور حول 10%، بينما يقل المعدل الحالي عن 8%، معتبرًا أن هذه الأرقام تدعم موقفه بشأن قدرة الاقتصاد على استيعاب التحولات الجارية.
وجاء هذا التقييم في سياق دفاعه عن إعادة توزيع الموارد بين القطاعات الاقتصادية، وهي عملية يرى أنها ترافق الانتقال من نموذج اقتصادي يتسم بتدخل الدولة إلى نموذج يقوم على تحرير الأسواق وتقليص القيود التنظيمية.
وتطرق ميلي إلى مسألة البطالة المتكررة في الاقتصاد الأرجنتيني، مقدمًا تفسيره الخاص لأسبابها وعلاقتها بالاختلالات التي يسعى برنامجه الاقتصادي إلى معالجتها.
لماذا لا ترتفع الاستثمارات بالسرعة المتوقعة؟
خصص الرئيس الأرجنتيني جانبًا مهمًا من خطابه لتفسير بطء نمو الاستثمارات المباشرة، في ظل التساؤلات المتعلقة بقدرة الإصلاحات الاقتصادية على جذب رؤوس الأموال وتحفيز النشاط الإنتاجي.
ورفض ميلي ضمنيًا تفسير ضعف الاستثمار باعتباره نتيجة لانعدام الثقة بالاقتصاد الأرجنتيني، وقدم بدلًا من ذلك تفسيرًا يرتبط بطبيعة الأسواق المالية والمرحلة الانتقالية التي يمر بها الاقتصاد.
وأوضح أن محدودية تطور أسواق رأس المال تجعل الحصول على التمويل مرتبطًا بتقديم ضمانات أو أصول يمكن استخدامها للحصول على القروض.
وأشار إلى أن الشركات والأطراف الاقتصادية التي تمتلك هذه الضمانات، نتيجة تراكم أصولها خلال السنوات السابقة، قد تكون نفسها من الجهات التي تفقد مواقعها الاقتصادية بفعل إعادة توزيع الموارد.
وبحسب تفسيره، فإن هذه الجهات لا تتجه إلى الاستثمار لأنها تواجه تراجعًا في دورها ضمن النموذج الاقتصادي الجديد.
وفي المقابل، تواجه الشركات والجهات الاقتصادية الجديدة التي تدخل السوق مشكلة مختلفة، تتمثل في عدم امتلاكها بعد ما يكفي من الأصول والضمانات للحصول على التمويل اللازم لتوسيع استثماراتها.
وبذلك، يرى ميلي أن بطء الاستثمار لا يعكس بالضرورة أزمة ثقة، بل يرتبط بصعوبات التمويل والتحولات الهيكلية المصاحبة للانتقال من اقتصاد ذي تدخل حكومي واسع إلى اقتصاد أكثر تحررًا.
ووفق هذا التصور، فإن تدفقات الاستثمار لم تصل بعد إلى المستويات المطلوبة لتلبية احتياجات السوق، بسبب الفجوة بين خروج بعض الجهات الاقتصادية التقليدية وعدم امتلاك الجهات الجديدة الأدوات المالية الكافية لتعويضها بسرعة.
حضور مسؤولين أرجنتينيين وغياب وزير الطاقة الأمريكي
وصل ميلي إلى مقر غرفة التجارة الأمريكية برفقة عدد من كبار المسؤولين الأرجنتينيين، بينهم الأمينة العامة لرئاسة الجمهورية كارينا ميلي، ووزير الخارجية بابلو كيرنو، والسفير الأرجنتيني لدى الولايات المتحدة أليك أوكسنفورد.
وكان من المقرر أن يتولى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت افتتاح الفعالية الاقتصادية، إلا أن المسؤول البارز في إدارة الرئيس دونالد ترامب لم يحضر المناسبة.
وشكل اللقاء فرصة للرئيس الأرجنتيني لعرض رؤيته الاقتصادية أمام ممثلي قطاع الأعمال، مع التركيز على الانضباط المالي وتحرير الأسواق والنتائج التي تنسبها حكومته إلى برنامجها الإصلاحي.
وقبل إلقاء كلمته، حصل ميلي على جائزة «البطل العالمي للمشاريع الحرة»، تقديرًا لتوجهاته الاقتصادية الداعمة لحرية الأسواق والقطاع الخاص.
اختلاف واضح بين خطابي ميلي في واشنطن
اتسم خطاب الرئيس أمام غرفة التجارة الأمريكية بطابع اقتصادي وتقني، على خلاف كلمته التي ألقاها في الليلة السابقة خلال الحفل الإسباني في واشنطن.
ففي المناسبة السابقة، ركز ميلي على القضايا السياسية والأيديولوجية، ودافع عن أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأعلن دعمه لفلافيو بولسونارو، كما انتقد التوجهات الأيديولوجية للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا.
أما خلال اللقاء الاقتصادي، فقد اختار التركيز على شرح برنامجه الحكومي والدفاع عن نتائجه، مع تقديم تفسيرات لمؤشرات البطالة والاستثمار والمخاطر المالية.
إشادة بوزيرين في حكومته واستحضار انتخابات 2027
على الصعيد الداخلي، أشاد ميلي بأداء وزيرة رأس المال البشري ساندرا بيتوفيلو ووزير إلغاء القيود التنظيمية وتحول الدولة فيديريكو ستورزينيغر، معتبرًا أن عملهما يشكل جزءًا من التحولات التي تنفذها حكومته.
كما انتقل الرئيس إلى الحديث عن المستقبل السياسي للأرجنتين، مستحضرًا الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، ومعربًا عن ثقته بأن الناخبين سيمنحون برنامجه الاقتصادي دعمًا جديدًا في صناديق الاقتراع.
وأكد أن الأرجنتينيين، عندما يوضعون أمام الخيارات الحقيقية، سيختارون طريق التقدم بدلًا من العودة إلى السياسات السابقة التي حمّلها مسؤولية التدهور الاقتصادي والفقر والتضخم.
وقال ميلي إن القوى السياسية المقابلة تمثل، بحسب وصفه، الماضي الذي أدى إلى إغراق البلاد في الأزمات الاقتصادية، معتبرًا أن المجتمع الأرجنتيني لن يرغب في العودة إلى تلك المرحلة.
وأضاف: «لا أحد سيرغب في العودة إلى ذلك. المجتمعات لا تنتحر».
وأعرب عن ثقته بأن النتائج التي تعرضها حكومته ستنعكس على خيارات الناخبين، قائلًا إنه يثق تمامًا بالأرجنتينيين وبقدرتهم على تأكيد دعم هذا النموذج الاقتصادي في الانتخابات المقررة العام المقبل.
وتكشف تصريحات الرئيس أن حكومته لا تنظر إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي باعتباره مجرد مجموعة من الإجراءات المالية والنقدية، بل بوصفه مشروعًا سياسيًا تسعى إلى الحصول على تفويض انتخابي جديد لمواصلته.
وفي المقابل، تظل مؤشرات الاستثمار وسوق العمل وأداء السندات السيادية ومخاطر البلاد عناصر أساسية في تقييم النتائج الفعلية لهذه السياسات، خصوصًا في ظل الفجوة بين التفاؤل الذي أبداه الرئيس والتحركات التي سجلتها الأسواق المالية بالتزامن مع خطابه.






