تقرير الصحفية تسنيم الريدي
ليست الابتسامة دائمًا تعبيرًا عن لحظة سعادة عابرة؛ ففي حياة كثير من الناس حول العالم، قد تكون الابتسامة علامة على استعادة الأمان، أو تجاوز أزمة، أو الحصول على فرصة جديدة للحياة. ومع الاحتفال باليوم العالمي للابتسامة في الثاني من أكتوبر، تبرز أهمية الجهود الإنسانية التي تساعد الإنسان على استعادة أسباب الابتسامة، بدءًا من الغذاء والدواء والمياه النظيفة، وصولًا إلى التعليم والمأوى والرعاية الصحية.
وفي هذا السياق، أجرينا حوارًا مع الدكتورة شروق النقدي (Dr. Shourouq Alnakdi)، أخصائية العلاقات المجتمعية في مؤسسة لايف للإغاثة والتنمية (LIFE for Relief and Development)، التي حصلت على المركز الثالث، وفقًا لتقييمات مؤسسة Charity Navigator لهذا العام، ضمن أفضل المؤسسات العاملة على مواجهة تحديات الفقر.
وتناول الحوار مفهوم الابتسامة في العمل الإنساني، وأثر المبادرات الإغاثية والتنموية في حياة الأطفال والأيتام والأسر المتضررة من الحروب والكوارث، وكيف يمكن لأبسط الاحتياجات الإنسانية أن تتحول إلى مصدر حقيقي للسعادة والأمل.

الابتسامة في العمل الإنساني.. أكثر من مجرد تعبير عن الفرح
ما مفهوم الابتسامة بالنسبة إلى المؤسسات الإغاثية والخيرية بشكل عام؟
بالنسبة إلينا، تتمثل رسالتنا في رسم الابتسامة على وجوه الفئات الأكثر احتياجًا، من خلال تنفيذ برامج إنسانية وتنموية في 61 دولة حول العالم.
ونعمل على إيصال هذه الابتسامة إلى الأطفال والأسر وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلًا عن المجتمعات المتضررة من الأزمات والحروب.
ويُعد الأطفال الأيتام من الفئات التي تحتاج إلى دعم مستمر، ليس فقط لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وإنما لضمان استمرار تعليمهم وحصولهم على الرعاية الصحية، ومساعدتهم على النمو في بيئة أكثر استقرارًا.
ومن خلال برامج كفالة الأيتام، التي بدأتها مؤسسة لايف عام 2002، يحصل آلاف الأطفال في دول مختلفة على دعم يساعدهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية ومواصلة تعليمهم.
ويشمل ذلك توفير المستلزمات التعليمية، وبناء المدارس وإعادة تأهيلها، إلى جانب تقديم المنح الجامعية التي تساعد الشباب على استكمال تعليمهم رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

أطفال الحروب.. حين تصبح أبسط الأشياء مصدرًا للسعادة
هل تملكون القدرة الحقيقية على رسم الابتسامة على وجوه الأيتام في مناطق الحروب؟
بالتأكيد. فهؤلاء الأطفال تحديدًا نجد أن ابتسامتهم الحقيقية لا ترتسم على وجوههم فحسب، بل تنبع من قلوبهم، لأنهم يتعلقون بأبسط أمل يمنحهم الشعور بالأمان وإمكانية العودة إلى الحياة الطبيعية.
ففي لبنان، على سبيل المثال، يتهافت الأطفال على فريقنا بمجرد الإعلان عن إقامة نشاط للدعم النفسي.
وفي غزة، يمكن أن يؤدي توفير المستلزمات الدراسية ومقعد داخل خيمة تعليمية إلى إدخال سعادة كبيرة إلى قلب طفل حُرم من أبسط مقومات التعليم.
أما في السودان، فإن توفير الدواء لوالدة طفل يتيم قد يكون سببًا في ابتسامته، لأنه يشعر بأننا ساعدنا في حماية مصدر أمانه الوحيد في الحياة، وهو أمه.
ونرى مشاعر مماثلة لدى الأطفال على الحدود بين أفغانستان وباكستان، وكذلك في اليمن والعراق والصومال، حيث تشكل ابتسامات الأيتام مصدرًا لعزيمتنا وإصرارنا على تجاوز الصعوبات.
ولا تقتصر هذه المشاهد على مناطق الحروب وحدها؛ ففي سوريا، ساهم نقل أسر من الخيام إلى المنازل خلال العام الماضي في إدخال السعادة إلى قلوب الأرامل وأطفالهن الأيتام، بعدما وفرت لهم تلك المنازل الحماية من خطر الموت تجمدًا خلال فصل الشتاء.
وينطبق الأمر نفسه على توفير الملابس والطعام والمأوى للمشردين والمتضررين من الفيضانات والزلازل، حيث يمكن لمساعدة بسيطة أن تعيد إلى الإنسان شعوره بالأمان والاستقرار.
الفقر لا يسلب الابتسامة دائمًا.. لكنه يضاعف أعباء الحياة
هل يُعد الفقر سببًا في تعاسة الإنسان وفقدانه الابتسامة؟
ليس دائمًا. فالفقر لا يعني فقط نقص المال، بل قد يعني أحيانًا صعوبة الحصول على الطعام أو الدواء أو التعليم.
ولهذا، تشمل برامج مؤسسة لايف تقديم المساعدات الغذائية والنقدية التي تساعد الأسر على التعامل مع احتياجاتها اليومية وفقًا لظروفها.
وتمنح المساعدات النقدية الأسر قدرًا من المرونة في تحديد أولوياتها، بينما تسهم المساعدات الغذائية في تخفيف أحد الأعباء الأساسية عن الأسر محدودة الدخل، خصوصًا عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية أو تتعطل مصادر الدخل.
وفي كثير من الحالات، قد تكون الابتسامة التي تظهر على وجه أم بعد حصولها على ما يكفي من الغذاء لأطفالها انعكاسًا لشعورها بأن عبئًا ثقيلًا قد خفّ عنها.
وتزداد أهمية هذه المساعدات بالنسبة إلى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما خلال الأزمات، عندما تتراجع الخدمات الصحية والاجتماعية أو تضطر الأسر إلى النزوح.
وتسهم المساعدات الغذائية والطبية، إلى جانب توفير الاحتياجات الأساسية، في تخفيف جزء من المخاوف التي تواجه هذه الفئات، ومساعدتها على الحفاظ على قدر أكبر من الكرامة الإنسانية.
كما تمثل الخدمات المرتبطة بالسمع والبصر أهمية خاصة، سواء من خلال الفحوصات الطبية أو توفير النظارات والأجهزة المساعدة أو التدخلات العلاجية.
فهذه الخدمات قد تساعد الأطفال على مواصلة تعليمهم، والبالغين على الاستمرار في العمل، وكبار السن على التواصل بصورة أفضل مع أسرهم ومجتمعاتهم.

ضحكات الأطفال عند تدفق المياه.. فرحة لا توصف
لماذا نسمع دائمًا ضحكات الفرح خلال تنفيذ مشروعات حفر الآبار، سواء من الأطفال أو النساء؟
هذا أمر حقيقي نلمسه باستمرار؛ فمشروعات توفير مياه الشرب الآمنة تمثل إحدى أهم صور الدعم الإنساني المستدام.
إن حفر الآبار وإنشاء مصادر للمياه لا يوفران الماء فحسب، بل يقللان أيضًا الوقت والجهد اللذين تبذلهما الأسر للحصول عليه، ويساعدان على الحد من المخاطر الصحية المرتبطة باستخدام المياه غير الآمنة.
وبالنسبة إلى الأطفال، قد يعني وجود مصدر قريب للمياه الحصول على وقت إضافي للذهاب إلى المدرسة، بينما يساعد النساء والأسر على تخفيف أحد أكثر الأعباء اليومية قسوة.
وخلال تنفيذ مشروعات حفر الآبار، ولا سيما في الدول الأفريقية، نسمع ضحكات الفرح تتعالى مع تدفق المياه وظهور قطراتها النقية.
ولا تقتصر هذه السعادة على المستفيدين، بل تصل أيضًا إلى قلب المتبرع الذي ساهم في حفر البئر، وتمنحه دافعًا للاستمرار في تقديم الخير ومساعدة المحتاجين.
ومن خلال عملنا، وجدنا أن من أكثر الابتسامات تأثيرًا تلك التي ترتسم على الوجوه عند توفير الرعاية الطبية للأبناء.
فقد تعاني أرملة من رؤية طفلها مريضًا دون أن تستطيع تخفيف ألمه، أو يكون لديها طفل لا يرى أو لا يسمع ويحتاج إلى دعم وعلاج لا تستطيع توفيرهما.
ولهذا، تعمل مؤسسة لايف على تنفيذ البرامج الطبية في مختلف أنحاء العالم، من خلال توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم المستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب تنفيذ برامج صحية في المجتمعات المحتاجة.
المخيمات والنزوح.. حين يصبح الأمان حلمًا
لماذا ترسخت في أذهان كثيرين صورة أن الأشخاص الأكثر بؤسًا هم الذين يعيشون في المخيمات؟
في مناطق النزاعات والكوارث، قد تفقد الأسر منازلها ومصادر دخلها، وتصبح الحاجة إلى المأوى والغذاء والمياه والرعاية الطبية أمرًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل.
وتشارك مؤسسة لايف في الاستجابة للأزمات الإنسانية من خلال تقديم المساعدات الطارئة ومواد الإيواء والغذاء والمياه والاحتياجات الطبية، بهدف مساندة الأسر النازحة والمتضررة.
وقد تكون أول ابتسامة ترتسم على وجه طفل بعد وصول أسرته إلى مكان آمن تعبيرًا بسيطًا وعميقًا عن استعادة جزء من الشعور بالأمان الذي فقده.
وهذا أمر طبيعي، سواء كان النزوح نتيجة حرب أو كارثة بيئية، لأن الإنسان الذي يفقد منزله واستقراره لا يبحث في البداية إلا عن مكان يحميه ويمنحه فرصة لاستعادة حياته.
قصص إنسانية من أرض الواقع.. حين تصنع المساعدة مستقبلًا جديدًا
هل تروين لنا قصصًا من أرض الواقع تركت أثرًا في قلوبكم؟
الابتسامة تبدأ غالبًا من الاحتياجات الأساسية، ومن أشياء قد تبدو بسيطة في نظر البعض: وجبة طعام، جرعة دواء، كوب ماء نظيف، كتاب، مدرسة، منحة جامعية، جهاز سمع، نظارة طبية، أو مكان آمن للنوم.
ووراء كل مشروع إنساني نفذناه على مدار 34 عامًا قصة مختلفة، تحمل في تفاصيلها أثرًا إنسانيًا يصعب نسيانه.
ففي السنغال، على سبيل المثال، قد تعني المساعدة الغذائية لأم قدرتها على توفير وجبات أفضل لأطفالها.
وفي سيراليون، قد يمثل الدعم التعليمي لطالب فرصة حقيقية لمواصلة دراسته بدلًا من الاضطرار إلى ترك المدرسة.
أما في بنغلاديش، فقد تعني نظارة طبية جديدة لطفل استعادة قدرته على القراءة والتعلم، بينما قد يمنح دواء لمسن في إندونيسيا فرصة للعيش بصورة أكثر راحة.
هذه القصص، رغم اختلاف بلدانها وظروف أصحابها، تلتقي عند معنى إنساني واحد، وهو أن المساعدة لا تُقاس فقط بما يُقدَّم من مواد أو خدمات، وإنما بما تتيحه للإنسان من قدرة على مواصلة حياته بكرامة وأمل.
الابتسامة الحقيقية تبدأ من صون الكرامة الإنسانية
تكشف التجارب الإنسانية التي استعرضتها الدكتورة شروق النقدي أن الابتسامة ليست مجرد تعبير عابر عن الفرح، بل قد تكون نتيجة مباشرة لاستعادة حق أساسي من حقوق الإنسان، كالحصول على الغذاء أو المياه النظيفة أو العلاج أو التعليم أو المأوى الآمن.
ففي حياة الأسر المتضررة من الفقر والحروب والكوارث، يمكن لتوفير مقعد دراسي أن يعيد إلى طفل حلمه بالمستقبل، ولجرعة دواء أن تخفف قلق أم على ابنها، ولقطرة ماء نظيفة أن تنهي معاناة يومية طويلة.
وهكذا تتجاوز قيمة العمل الإنساني حجم المساعدة المقدمة، لتظهر في أثرها على حياة المستفيدين وقدرتهم على مواجهة الظروف الصعبة.
فالابتسامة الحقيقية لا تُصنع بالكلمات وحدها؛ بل قد تبدأ عندما يجد الإنسان ما يحتاج إليه ليشعر بالأمان، ويحافظ على كرامته، وينظر إلى الغد بقدر أكبر من الأمل.






