شاورما النبك

احتجاجات على «قتل العلم» في الأرجنتين.. باحثون يحذرون من تداعيات خفض ميزانية العلوم

احتجاجات على «قتل العلم» في الأرجنتين.. باحثون يحذرون من تداعيات خفض ميزانية العلوم

الأرجنتين بالعربي – خاص: شهدت الأرجنتين تحركات واحتجاجات على المستوى الفيدرالي من جانب أفراد من المجتمع العلمي، اعتراضًا على خفض الميزانية المخصصة للعلوم والبحث والتكنولوجيا، وسط تحذيرات أطلقها عدد من الباحثين مما وصفوه بـ «قتل العلم» (Cientificidio)، معتبرين أن استمرار تراجع التمويل والأجور وتجميد التعيينات يهدد قدرات البلاد العلمية على المدى الطويل.

وقالت الدكتورة في التكنولوجيا الحيوية الزراعية والباحثة في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية (CONICET)، راكيل تشان (Raquel Chan)، إن العلم الوطني يتعرض، بحسب وصفها، لعملية تدمير «بطيئة لكنها مستمرة»، معتبرة أن البحث العلمي يمثل إحدى القواعد الأساسية للتنمية الوطنية.

وأشارت تشان إلى أن الخسارة الأخطر تتمثل في هجرة الكفاءات والباحثين الشباب وأصحاب الخبرات المتوسطة، في ظل قلة المنح وضعف قيمتها، وتعثر دخول باحثين جدد إلى المسار المهني وغياب التمويل الكافي للمشروعات.

وأضافت أن البلاد تقوم عمليًا بـ«تصدير» موارد بشرية عالية التخصص دون الحصول على مقابل لهذه الخسارة، في إشارة إلى انتقال علماء وباحثين إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل.

تراجع القوة الشرائية لأجور الباحثين

من جهته، وصف عالم المناعة والباحث في CONICET خورخي غيفنر (Jorge Geffner) الوضع بأنه «حرج للغاية».

وبحسب تقديراته، فقدت أجور العاملين في CONICET ما بين 38% و45% من قوتها الشرائية، وفقًا للدرجة الوظيفية، منذ تغيير الحكومة.

كما أشار إلى أن ما بين 70% و80% من خطوط التمويل التقليدية التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الوكالة الوطنية المعنية بتشجيع الابتكار والعلوم والتكنولوجيا أصبحت شبه متوقفة.

واعتبر غيفنر أن الجمع بين تدهور الأجور وتعثر تمويل المشروعات وتوقف دخول باحثين جدد يشكل ما وصفه بـ«مزيج قاتل للنظام العلمي».

ولفت إلى أن المشكلات لا تقتصر على CONICET، بل تشمل مؤسسات علمية وتقنية أخرى، من بينها اللجنة الوطنية للطاقة الذرية (CNEA) والمعهد الوطني للتكنولوجيا الصناعية (INTI) والمعهد الوطني للتكنولوجيا الزراعية (INTA).

تحذير من وصول الاستثمار العلمي إلى مستويات تاريخية متدنية

أما عالم الأحياء والباحث في CONICET دييغو غولومبيك (Diego Golombek)، فقال إن العلوم الأرجنتينية تمر بوضع وصفه بأنه غير مسبوق.

وبحسب غولومبيك، يتراوح التمويل الحالي للعلوم بين 0.13% و0.14% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين ينص المسار المحدد قانونًا على الاقتراب من نسبة 1% بحلول عام 2030.

وأشار كذلك إلى صعوبة الأوضاع المعيشية للباحثين، موضحًا أن الباحث الحاصل على منحة يتقاضى أكثر بقليل من مليون بيزو، في حين يبلغ دخل الباحث صاحب سنوات طويلة من التدريب ودراسات ما بعد الدكتوراه نحو 1.8 مليون بيزو.

وحذر غولومبيك من هجرة متزايدة للباحثين الشباب، سواء من خلال مغادرة النظام العلمي نحو قطاعات مهنية أخرى أو الهجرة خارج البلاد أو الاضطرار إلى العمل في أكثر من وظيفة.

وأكد أن إعادة بناء ما يُفقد حاليًا لن تكون سريعة، لأنها ستتطلب موارد وعودة باحثين وإعادة تشكيل فرق علمية بدأت، بحسب وصفه، بالتفكك.

«تدمير عبر الخنق المالي»

وخلال الاحتجاجات التي جرت عند مسلة بوينس آيرس (Obelisco)، تحدث عالم الأحياء الجزيئية والباحث في CONICET ألبرتو كورنبليت (Alberto Kornblihtt) عن ما وصفه بـ «التدمير عن طريق الخنق المالي».

وقال إن مسار تعيين الباحثين يتعرض للتوقف، وإن نحو ألف شخص ينتظرون الحصول على وظائف بحثية، بالتزامن مع انتهاء منح ما بعد الدكتوراه وغياب التمويل.

كما اتهم كورنبليت الحكومة بعدم إطلاق دعوات جديدة للحصول على منح وتمويلات بحثية، فضلًا عن عدم تنفيذ بعض التمويلات التي كانت قد حصلت بالفعل على الموافقة.

رسالة مفتوحة إلى الرئيس ميلي

وفي موازاة الاحتجاجات، أطلق كورنبليت مع مجموعة من زملائه رسالة مفتوحة موجهة إلى الرئيس خافيير ميلي، ورئيس مجلس الوزراء دييغو سانتيلي، وسلطات النظام الوطني للعلوم والتكنولوجيا والابتكار.

وطالبت الرسالة بوقف ما وصفه الموقعون بـ «تفكيك النظام الأرجنتيني للعلوم والتكنولوجيا والابتكار».

ووفقًا لما ورد فيها، انخفض الاستثمار في وظيفة العلوم والتكنولوجيا إلى نحو 0.14% من الناتج المحلي الإجمالي.

واكتسبت الرسالة بعدًا دوليًا مع توقيع أكثر من 20 عالمًا حاصلًا على جائزة نوبل، بينهم بول نيرس (Paul Nurse) الحائز على نوبل في الطب والرئيس الحالي لـ الجمعية الملكية البريطانية (Royal Society).

كما شملت قائمة الموقعين أسماء علمية دولية بارزة مثل Phillip A. Sharp وRichard Roberts وH. Robert Horvitz وAndrew Fire وVictor Ambros وSteven Chu وBarry Marshall وCraig Mello وMay-Britt Moser وFerenc Krausz وRoger Kornberg وMichael Rosbash وFrançoise Barré-Sinoussi وAaron Ciechanover.

تحذيرات من فقدان وظائف وقدرات علمية

الرسالة تحدثت كذلك عن تداعيات أوسع، وذكرت من بينها فقدان ما يقارب ثماني وظائف يوميًا منذ ديسمبر/كانون الأول 2023، إلى جانب تغييرات وإلغاءات وتقليصات طالت مؤسسات وهيئات حكومية مرتبطة بالعلوم والصحة والتكنولوجيا.

كما أشارت إلى مشكلات في INTA ووكالة البحث والتطوير والابتكار وغيرها من المؤسسات، محذرة من تأثير ذلك على البنية العلمية للدولة.

وأكد الموقعون أن الأزمة، من وجهة نظرهم، لم تعد مقتصرة على رواتب العاملين، وإنما أصبحت تمس استمرارية البنية التي تدعم البحث والتطوير والسياسات العامة.

وأشاروا بصورة خاصة إلى الجامعات الوطنية، مؤكدين أن أنشطة البحث والتطوير فيها معرضة للخطر، في وقت يعمل فيها، بحسب الرسالة، نحو 80% ممن يمارسون النشاط العلمي في الأرجنتين.

أكثر من 2500 توقيع

وحصلت الرسالة المفتوحة على أكثر من 2500 توقيع، وشارك في الدفع بها أيضًا عدد من الشخصيات العلمية والسياسية.

وحذرت الفيزيائية والباحثة والنائبة أدريانا كريستينا سيركيس (Adriana Cristina Serquis) من أن تفكيك القدرات العلمية والتكنولوجية والابتكارية للأرجنتين ستكون له، بحسب رأيها، تداعيات لا تقتصر على العلماء وإنما تمتد إلى المجتمع الأرجنتيني ككل وإلى مساهمة البلاد في البحث العلمي العالمي.

بدوره، قال الباحث في CONICET والأستاذ في جامعة بوينس آيرس (UBA) أرييل تشيرنوموريتز (Ariel Chernomoretz) إن خفض الدعم والتمويل على مستوى النظام العلمي كان حادًا، محذرًا من أن استعادة القدرات التي تُفقد حاليًا ستحتاج إلى جهد كبير.

كما تحدث المهندس كلاوديو إسكوبار (Claudio Escobar)، العامل في المعهد الوطني للتكنولوجيا الصناعية منذ عام 1992، عن ما وصفه بـ «انعدام التمويل» وفقدان العاملين والقدرات التقنية داخل المؤسسة.

وبذلك تضع احتجاجات المجتمع العلمي ملف تمويل العلوم والتكنولوجيا في الأرجنتين مجددًا في قلب النقاش العام، بين سياسة حكومية تقوم على خفض الإنفاق وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وبين باحثين يحذرون من أن فقدان الكفاءات وتعطل المشروعات وتراجع الاستثمار قد يترك آثارًا يصعب تعويضها مستقبلًا.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
شاورما النبك 3
perteneser
شاورما النبك
نوتسياس لاتيناس