شاورما النبك

القفزة المقبلة للأرجنتين: الثقة والأمن القانوني والقدرة على التنبؤ

القفزة المقبلة للأرجنتين: الثقة والأمن القانوني والقدرة على التنبؤ

بقلم: خورخي موناستيرسكي

تمر الأرجنتين بمرحلة من التحول. فبعد عقود كانت فيها حالات الطوارئ تتحكم في عدد كبير جدًا من القرارات العامة والخاصة، تبرز اليوم فرصة تتمثل في استبدال منطق عدم اليقين بثقافة القدرة على التنبؤ والاستقرار.

هناك تحولات اقتصادية مهمة جارية. بعضها بدأ بالفعل في تحقيق نتائج، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى مزيد من الوقت حتى يمكن تقييمه. لكن حتى لو نجحت هذه التحولات، فإن عملية التغيير ستبقى غير مكتملة إذا لم ننجح في تحويل الاستقرار إلى ثقة، والثقة إلى مؤسسات.

وينبغي أن تسمح القفزة المقبلة لأي شخص أو شركة أو مستثمر باتخاذ قراراته من دون أن يضطر إلى التساؤل باستمرار عما إذا كانت القواعد الأساسية ستتغير قبل أن تظهر نتائج تلك القرارات.

الثقة تحتاج إلى قواعد

الأمن القانوني ليس مفهومًا مقتصرًا على المحامين أو القضاة أو كبار المستثمرين. فمن يوقع عقدًا يحتاج إلى الثقة بأنه سيُحترم، ومن يستثمر يحتاج إلى معرفة الشروط التي سيعمل في ظلها، ومن يواجه نزاعًا يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حله ضمن آجال معقولة.

ولا يعني الأمن القانوني تجميد القوانين ومنع تغييرها. فالحكومات لها الحق والمسؤولية في تنفيذ البرنامج الذي انتُخبت من أجله. لكنه يعني أن التغييرات يجب أن تتم من خلال إجراءات يمكن توقعها، مع احترام الحقوق وإتاحة إمكانية استباق نتائجها.

فالقدرة على التنبؤ لا تمنع التغيير، بل تسمح بتنفيذه من دون تدمير الثقة.

الاستباق من أجل اتخاذ قرارات أفضل

طورت الأرجنتين قدرة هائلة على التعامل مع الأزمات، وربما يعود ذلك إلى العدد الكبير من الأزمات التي مرت بها. أما التحدي الآن فهو تطوير قدرة مماثلة على استباقها.

إن إدارة دولة أو شركة، أو الاستثمار أو الدخول في شراكة، كلها أمور تتطلب اتخاذ قرارات في ظل حالة من عدم اليقين. والقرار الجاد يجب ألا يأخذ في الاعتبار الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه فحسب، بل المخاطر التي قد يولدها أيضًا.

وهنا يبرز دور أساسي للقانون.

فلا ينبغي استدعاء المحامي فقط لشرح قرار تم اتخاذه بالفعل، أو للتدخل عندما يكون الملف القضائي قد أصبح قائمًا. ففي القضايا المعقدة، قد تظهر القيمة الأكبر لدوره قبل ذلك: تحديد المخاطر، وبناء السيناريوهات، وإيجاد مسارات قانونية متينة لتحقيق الهدف من دون التسبب بمشكلة أكبر.

ويتضح ذلك بشكل خاص في القانون الجنائي المعاصر. فقد يترتب على قرار تجاري أو متعلق بالشركات أو قرار مالي أو مؤسساتي عواقب جنائية لم يأخذها أحد في الحسبان عند اتخاذه.

والوقاية لا تعني شلّ القدرة على اتخاذ القرار، ولا تحويل كل قرار إلى رأي قانوني لا ينتهي، وإنما تعني تحسين جودة القرار.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون أفضل نزاع هو ذلك الذي ننجح في كسبه، بل النزاع الذي لم يقع أصلًا.

الذكاء الاصطناعي أداة للاستباق وليس بديلًا عن المسؤولية

يمكن لـالذكاء الاصطناعي أن يعزز هذه المهمة. فقدرته على تحليل المعلومات واكتشاف الأنماط وتحسين آليات الرقابة تسمح باستباق المخاطر باستخدام أدوات لم تكن موجودة حتى قبل سنوات قليلة.

لكن ذلك لا يغير قاعدة قانونية وإنسانية أساسية: يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في اتخاذ القرار، لكن المسؤولية عن نتائجه تبقى على عاتق الأشخاص.

فالتحدي ليس استبدال الحكم والتقدير البشري بالتكنولوجيا، وإنما استخدامها لاتخاذ قرارات أفضل.

الديمقراطية والقواعد وجودة المؤسسات

تحتاج الديمقراطية إلى الانتخابات والتداول والمشاركة المدنية، لكنها لا تحتاج إلى أن تعيش بصورة دائمة في أجواء الحملات الانتخابية.

ولهذا أرى أنه من المنطقي التقدم نحو الإلغاء النهائي للانتخابات التمهيدية الوطنية المفتوحة والمتزامنة والإلزامية (PASO).

وينبغي للقوى السياسية أن تحسم مرشحيها من خلال آليات ديمقراطية وشفافة، من دون أن تنقل بالضرورة خلافاتها الداخلية إلى المجتمع بأكمله، ومن دون إطالة جدول انتخابي يؤثر على مدى أشهر في القرارات الاقتصادية والتجارية والمؤسساتية.

المشكلة ليست في التصويت. فالديمقراطية تحتاج إلى أن يقرر المواطنون من سيحكمهم، لكن الأمن القانوني يحتاج إلى بقاء بعض القواعد الأساسية ثابتة بغض النظر عمن يفوز في الانتخابات.

وفي المجال الانتخابي، حدث بالفعل تحول مهم من خلال اعتماد ورقة الاقتراع الموحدة (Boleta Única de Papel) في الانتخابات الوطنية.

وهذا تغيير يعزز استقلالية الناخب، إذ يجمع العرض الانتخابي في ورقة رسمية واحدة ويقلل الاعتماد على توزيع أوراق الاقتراع من جانب الأحزاب السياسية.

وينبغي أن تكون الخطوة التالية هي قيام المقاطعات والولايات القضائية التي لم تعتمد بعد أنظمة مماثلة بدراسة السير في الاتجاه نفسه في انتخاباتها الإقليمية والبلدية، كل ضمن صلاحياتها.

ويمكن لذلك أن يساهم في تقليص الوساطات غير الضرورية وفرص ممارسة الضغوط، ولا سيما على الأشخاص الذين يعيشون أوضاعًا هشة.

إن حرية الاختيار الانتخابي لا تقتصر على مجرد القدرة على التصويت، بل تتطلب أن يتمكن كل مواطن من تكوين قراره والتعبير عنه باستقلالية، بعيدًا عن الضغوط غير المشروعة، وفي ظل قواعد واضحة.

ولا تُقاس جودة الديمقراطية بعدد المرات التي يُدعى فيها المجتمع إلى صناديق الاقتراع فحسب، وإنما أيضًا بمستوى الحرية والشفافية والقدرة على التنبؤ الذي تُتخذ في إطاره القرارات.

كذلك، فإن احترام العقود، وحماية الملكية، واستقلال القضاء، والمسؤولية المالية، وموثوقية الإحصاءات، والإجراءات المؤسساتية القابلة للتنبؤ، أمور لا ينبغي أن تتغير تبعًا لنتيجة كل انتخابات.

فهذه العناصر تشكل جزءًا من البنية التحتية غير المرئية التي تُبنى عليها الثقة.

القفزة المقبلة

الأرجنتين لا تحتاج إلى مجتمع خالٍ من النزاعات، وإنما تحتاج إلى قواعد تسمح باستباقها، ومؤسسات قادرة على إدارتها، ومتخصصين مؤهلين لمنعها وحلها.

ولا تقتصر القفزة المقبلة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، بل تتمثل في أن يتمكن من يعمل من التخطيط للمستقبل، ومن يبادر إلى مشروع من اتخاذ قراره، ومن يستثمر من القيام بذلك من دون أن يسأل نفسه باستمرار: متى ستتغير القواعد مرة أخرى؟

هذا هو الأمن القانوني، لكنه أيضًا شيء أبسط في شرحه وأصعب بكثير في بنائه: الثقة.

وبعد سنوات طويلة من إدارة حالات الطوارئ، حان الوقت لبناء بلد مستعد لاتخاذ القرارات والاستباق والحل.

إن الأرجنتين القابلة للتنبؤ لن تكون أرجنتين بلا نزاعات، بل ستكون أرجنتين لا يضطر فيها المجتمع، مع كل نزاع جديد، إلى البدء من الصفر من جديد.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
شاورما النبك 3
perteneser
شاورما النبك
نوتسياس لاتيناس