خريطة ميلي العالمية الممزقة: نحو سياسة خارجية سيادية ومتنوعة في مرحلة ما بعد 2027

خريطة ميلي العالمية الممزقة: نحو سياسة خارجية سيادية ومتنوعة في مرحلة ما بعد 2027

بقلم: كارلوس بيانكو وخوان مانويل بادين

بالمنطق نفسه الذي تتعامل به الإدارة الاقتصادية لحكومة ميلي بلا مبالاة عندما تُسأل عن الانخفاض الحاد في المداخيل، وتدمير فرص العمل، وإغلاق المصانع، والتفشي الواسع للتعثر في السداد، يسود في السياسة الخارجية الشعار نفسه: كل ما يتجاوز الاصطفاف التلقائي مع الولايات المتحدة وإسرائيل يبقى خارج نطاق الاهتمام الرسمي. وفي عالم تعمل فيه غالبية الدول بنشاط على تنويع وتعميق علاقاتها الثنائية، وتقليص أشكال التبعية الحرجة، وتوسيع هوامش المناورة، ومواجهة الضغوط الدبلوماسية والتجارية والمالية المتزايدة على قراراتها السيادية، فإن كل ما يحدث خارج محور واشنطن–تل أبيب لا وجود له ببساطة بالنسبة إلى الدبلوماسية الليبرتارية.

والأمثلة على هذا التخبط لا تُحصى. حتى الآن، لم تسجل الحكومة زيارات دولة أو بعثات أو اتفاقيات تجارية مهمة مع آسيا، وهي منطقة تمثل ما يقارب ثلث تجارتنا الخارجية. ونحن نتحدث عن شركاء تجاريين من الدرجة الأولى مثل الصين والهند وفيتنام وإندونيسيا، من بين دول أخرى. وعلى المستوى الإقليمي، غاب ميلي عن نصف القمم الرئاسية لميركوسور، في حين كان حضوره في أطر أخرى مثل مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي «سيلاك» أو توافق برازيليا شبه معدوم. وتكتمل الصورة بالأزمة الدبلوماسية غير المسبوقة التي نشأت مع البرازيل في نهاية يوليو/تموز.

كما لم يحضر الرئيس القمة الأخيرة لقادة مجموعة العشرين التي عُقدت في جنوب أفريقيا، ويضاف إلى ذلك رفض الانضمام إلى مجموعة بريكس، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وعمليات التصويت المتعددة والمخجلة في الأمم المتحدة، أو السير خلف أي مبادرة تتخذها إدارة ترامب. وكلها، بحسب الكاتبين، قرارات اتُّخذت بتوجيه من وزارة الخارجية الأميركية.

هذه الإجراءات لا تحدث في فراغ. فاللحظة التي عُرفت بالأحادية القطبية، والتي أتاحت سنوات عدة من الهيمنة العسكرية والتجارية والمالية الأميركية، تفسح المجال اليوم أمام عملية انتقال في الهيمنة، تجري في خلفيتها إزاحة مركز الثقل الاقتصادي من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ. ولا ينبغي مساواة هذا التحول بالانتقال نحو نظام دولي أكثر مساواة؛ فالنظام الناتج عن التغيرات الجارية سيعبّر، في الواقع، عن إعادة ضبط لبنية القوة. وفي هذا السيناريو، سيحدد توزيع جديد للقوة من هم الرابحون والخاسرون، ومن يضعون القواعد ومن يتلقونها، ومن هي الدول ذات السيادة وتلك التابعة. وسيتوقف توزيع هذه الأدوار على القراءة الجيوسياسية والاستراتيجية التي تتبناها كل دولة، وكذلك على القدرات المادية التي تتمكن من ترسيخها.

لكن الحكومة الليبرتارية لا تبذل حتى جهدًا لفهم الديناميكيات الناشئة وتداعياتها من منظور المصلحة الوطنية. ميلي يتصور العالم كما لو أننا ما زلنا في عام 1991، في بدايات عصر الأحادية القطبية، وهو يجعل الأرجنتين تهدر وقتًا بالغ الأهمية.

ويُعد التجارة الخارجية مثالًا واضحًا على هذا النهج. فقد جعلت الصدمات الأخيرة التي أصابت سلاسل التوريد نتيجة النزاعات المفتوحة في أوروبا وغرب آسيا، أمن الإمدادات قضية محورية. وفي مواجهة ذلك، تبحث اقتصادات عديدة اليوم عن موردين أكثر موثوقية للحد من أشكال التبعية الحرجة، وهو ما يفتح فرصة أمام الأرجنتين وقطاعاتها الإنتاجية. ومع ذلك، وبعد انقضاء ثلثي الولاية الرئاسية، يبدو التقاعس الرسمي واضحًا، في تناقض صريح مع ما تقوم به الدول المجاورة.

فخلال السنوات الأخيرة، وضع لولا أجندة آسيوية تضمنت زيارات دولة إلى الصين، حيث وقّع اتفاقيات ثنائية بشأن البنية التحتية وتطوير الأقمار الصناعية والطاقة المتجددة والصناعة، إضافة إلى بعثات تجارية إلى فيتنام والهند واليابان وكوريا الجنوبية هدفت إلى فتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية وإبرام اتفاقيات في مجالات أشباه الموصلات والطيران والتكنولوجيا الطبية. وسار على النهج نفسه رؤساء آخرون في المنطقة ينتمون إلى توجهات أيديولوجية مختلفة، مثل دانيال نوبوا من الإكوادور، الذي زار الصين وسنغافورة وفيتنام؛ وسانتياغو بينيا من باراغواي، الذي زار تايوان والفلبين؛ وكذلك الرئيس الأوروغوياني آنذاك لويس لاكايي بو، الذي زار الصين واليابان.

ويتعمق العزل أمام ظاهرة ناشئة أخرى، هي تقدم التنقل الكهربائي الصيني في البرازيل، التي تستقطب إعلانات استثمارية في هذا القطاع تفوق ما تستقطبه الأرجنتين بـ17 مرة. ويتمثل الخطر بالنسبة إلى بلادنا في التقادم الهيكلي؛ إذ إن أكثر من 60% من إنتاج السيارات الوطني يُصدّر إلى البرازيل، وبالتالي فإن التحول الكهربائي لشريكنا الرئيسي يهدد بانهيار الطلب الخارجي، ما قد يحكم على الصناعة المحلية بخسارة منهجية للعقود وفرص العمل المتخصصة والتكامل الصناعي.

وتشكل الديناميكيات الأخيرة لممرات التكامل مثالًا آخر على التقاعس. فـالممر البري ثنائي المحيط، الذي تدفع به البرازيل وباراغواي، حقق تقدمًا أكبر بكثير من بقية محاور التكامل المادي في أميركا الجنوبية، عبر مسار يربط ماتو غروسو دو سول بموانئ شمال تشيلي. وفي المقابل، تظهر الأرجنتين متأخرة من جانبين: الأول يتعلق بالأعمال التي لا تزال معلقة في الجزء الخاص بها في سالتا وخوخوي، والثاني يتمثل في ترسيخ مسار لا يُدخل تشاكو وفورموسا وسانتياغو ديل إستيرو وكوريينتس وميسيونيس ضمن أي منظومة للربط، وهو ما يؤدي إلى انقسام داخل منطقة الشمال الكبير بين شمال غربي مندمج في المحور ثنائي المحيط وشمال شرقي منفصل عن الطرق المؤدية إلى المحيط الهادئ.

وتبرز قضية جزر مالفيناس، بالمعنى نفسه، باعتبارها وجهًا آخر من أوجه فشل دبلوماسية ميلي. فغياب أي أجندة مع دول أفريقيا ومنطقة الكاريبي الناطقة بالإنجليزية وآسيا والشرق الأوسط، إلى جانب التبني المنهجي لمواقف رجعية في قضايا التنمية وتغير المناخ والقضية الفلسطينية وحتى إدانة تجارة الرقيق عبر الأطلسي، يضع بصورة مستمرة الدعم الذي يمكن الحصول عليه من أعضاء لجنة إنهاء الاستعمار في دائرة الخطر. ويندرج في الاتجاه نفسه التخلي عن الدفع، أمام مجلس السوق المشتركة لميركوسور، نحو رد إقليمي على أنشطة التنقيب النفطي غير المصرح بها التي تقوم بها شركتا نافيتاس وروكهوبّر.

وأمام هذا المسار الليبرتاري، ينبغي أن يتمحور النقاش حول السياسة الخارجية التي يتعين على الأرجنتين تبنيها بعد عام 2027 حول كيفية استعادة قدرتها على اتخاذ القرار في بيئة دولية أكثر انقسامًا وغموضًا وصراعًا. وأحد مفاتيح هذا النقاش هو الحاجة إلى سياسة خارجية سيادية ومتنوعة. وهذا التوجه ليس سوى عودة إلى «الموقف الثالث» الذي طرحه خوان دومينغو بيرون منذ منتصف القرن العشرين، والذي سعى إلى الحفاظ على الاستقلالية في مواجهة الصراع بين القوى الكبرى، وترسيخ سياسة خارجية تسترشد بالمصالح الوطنية.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يجب أن تحتل أميركا الجنوبية المرتبة الأولى. فالجوار في أميركا الجنوبية هو الفضاء الذي تتحدد فيه نسبة كبيرة من أسواق السلع الصناعية، والتكامل في مجال الطاقة، والبنية التحتية التي تربط البلاد ببقية العالم. وفي الوقت نفسه، يشكل التكامل الإقليمي رصيدًا أساسيًا لتوسيع هامش الاستقلالية في مواجهة تحديات الانتقال في الهيمنة العالمية.

ومن ثم، تبدأ السياسة الخارجية المتنوعة بإعادة بناء سياسة نشطة تجاه أميركا الجنوبية. وتحتل البرازيل مكانة مركزية في هذه المهمة؛ إذ تتطلب العلاقة الثنائية استعادة منطق التحالف الاستراتيجي. كما يتعين على بلادنا العودة إلى استخدام آليات التنسيق الإقليمي لبناء مواقف مشتركة تجاه الأنشطة البريطانية وأنشطة الدول الأخرى في جنوب المحيط الأطلسي.

أما بالنسبة إلى آسيا، فستحتاج الأرجنتين إلى تحويل العلاقات التجارية الحالية إلى شراكات أوسع نطاقًا تسمح، من بين أمور أخرى، بتصحيح الاختلالات القائمة. ومن الضروري الاستفادة من أصولنا وقدراتنا لضمان شروط أفضل للإنتاج والعمل والأجور، بدل الاستمرار في ترك الصناعات الوطنية لمصيرها.

وتحتاج العلاقة مع الصين، على وجه الخصوص، إلى إعادة بناء الحوار السياسي وإطلاق العلاقة الاقتصادية والتجارية مجددًا من منظور المنفعة المتبادلة. كما توجد مع الهند ودول رابطة آسيان واقتصادات آسيوية أخرى أجندة تجارية ذات إمكانات كبيرة، يمكن أن ترافقها زيادة التعاون في المجالات النووية والفضائية، وإدارة المعادن الحيوية، والأمن الغذائي، والابتكار التكنولوجي.

وينبغي للسياسة الخارجية المستقبلية أيضًا إعادة إدراج قضية بريكس على جدول الأعمال، وتسريع المشاركة الأرجنتينية في أنشطة هذا التكتل، واستكشاف إمكانية الانضمام إلى بنك التنمية الجديد، بهدف استعادة أدوات التمويل والتنسيق العالمي. كما ستحتاج أطر التنسيق المتعددة الأطراف الأخرى إلى إعادة ضبط حقيقية بعد التجربة الليبرتارية الكارثية.

أما العلاقة مع الولايات المتحدة فستظل، بطبيعة الحال، مهمة بالنسبة إلى الأرجنتين، لكنها ستتطلب مراجعة للأسس التي تُبنى عليها حاليًا. وهذا لا يعني الدفع نحو مواجهة مجانية أو تجاهل وزن واشنطن كشريك تجاري ومستثمر وفاعل مالي من الدرجة الأولى. بل يعني استبدال الاصطفاف التلقائي ومن دون مقابل بعلاقة ناضجة قائمة على الاحترام المتبادل ومؤطرة بمصالح ملموسة تحقق المنفعة للطرفين: الوصول إلى الأسواق، والاستثمار الإنتاجي، والتعاون التكنولوجي، والتمويل، مع تحقيق نتائج ملموسة للتنمية الوطنية.

وستمثل أوروبا أيضًا عنصرًا مهمًا في عملية توسيع الشركاء والتحالفات. وينبغي، بصورة خاصة، أن تسمح لنا الاتفاقية بين ميركوسور والاتحاد الأوروبي بالاستفادة من الفرص الجديدة من دون التوقف عن معالجة التحديات التي تفرضها على الصناعة الوطنية. كما يمكن للعلاقة بين الإقليمين أن تكتسب نطاقًا أوسع إذا تضمنت التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الجديدة، والسيادة الرقمية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتمويل التحول في مجال الطاقة والتحول الصناعي.

وتمثل أوقيانوسيا منطقة أخرى توفر إمكانات كبيرة للتعاون لم تُستغل حتى الآن. فأستراليا ونيوزيلندا ليستا فقط اقتصادين متقدمين تتشارك معهما الأرجنتين في الطابع الزراعي التصديري وتحديات مناخية متشابهة، بل تمثلان أيضًا بوابتين إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وأخيرًا، ستتطلب أفريقيا مقاربة متجددة. فالقارة الأفريقية ستكتسب وزنًا سياسيًا وديموغرافيًا واقتصاديًا متزايدًا، كما توفر فرصًا لتوسيع التجارة الأرجنتينية وتعميق التعاون في القطاعات التي توجد فيها مصالح مشتركة. ويشكل جنوب المحيط الأطلسي مجالًا بالغ الأهمية لإعادة بناء أجندة سياسية مع الدول الأفريقية المطلة عليه.

إن الأرجنتين التي ستخرج من المرحلة الليبرتارية ستجد أمامها نظامًا دوليًا مليئًا بالتحديات، وستصبح فيه القدرة على تنويع المحاورين موردًا أساسيًا في حد ذاته. ويتعين على السياسة الخارجية في مرحلة ما بعد 2027 أن تستعيد هذا المورد وتستخدمه لتوسيع هامش المناورة في عالم لا ينتظر أحدًا، ويميل بصورة متكررة إلى تبسيط مشكلات معقدة وكأنها مجرد مسألة «الاختيار بين واشنطن أو بكين».

ولهذا فإن التنويع ليس شعارًا؛ بل هو شرط ضروري لاستعادة القدرة على اتخاذ القرار من داخل الأرجنتين، وفقًا للمصالح الوطنية، وبهدف بناء مستقبل يقوم على العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والسيادة السياسية.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
أعلن معنا 2 — طولي