الأرجنتين بالعربي – خاص:
تحولت أزمة مديونية الأسر في الأرجنتين إلى محور جديد للمواجهة السياسية مع حكومة الرئيس خافيير ميلي، بعدما وصلت حالات التأخر عن سداد القروض الشخصية إلى مستويات قياسية، ما دفع قطاعات مختلفة من البيرونية إلى توحيد خطابها وتحميل السياسة الاقتصادية للحكومة مسؤولية تفاقم المشكلة.
وتشير البيانات إلى أن حالات التعثر في القروض الممنوحة للأفراد، سواء عبر النظام المالي أو المؤسسات غير المالية، تضاعفت خمس مرات خلال العام ونصف العام الأخيرين، فيما يشكل الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً أربعة من كل عشرة مدينين، ووصلت معدلات التأخر عن السداد إلى أعلى مستوياتها خلال العشرين عاماً الأخيرة.
هذا الواقع دفع قيادات بيرونية وحكومات محلية ونقابات إلى التحرك عبر إجراءات ومبادرات مختلفة، من التظاهر في الشارع إلى المطالبة بالتحقيق مع الجهات المانحة للقروض وإطلاق تدابير لحماية الأسر المثقلة بالديون.
كيسيلوف يحمل سياسة ميلي الاقتصادية المسؤولية
حاكم مقاطعة بوينس آيرس أكسيل كيسيلوف اعتبر أن الأزمة لم تعد مسألة فردية بين المقترض والجهة التي منحته التمويل، بل مشكلة تستوجب استجابة على المستوى الوطني.
وقال إن ملايين الأشخاص أصبحوا عاجزين عن سداد ديون حصلوا عليها أساساً لتغطية نفقاتهم الضرورية والبقاء على قيد الحياة، مشيراً إلى أن السلطات الوطنية تملك الصلاحيات التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات التي تقدم القروض.
وأضاف كيسيلوف أن حالات التعثر لدى المدينين للبنوك تضاعفت خمس مرات، معتبراً أن السياسة الاقتصادية لحكومة ميلي هي العامل الذي أدى، وفق موقفه، إلى هذا الارتفاع في المديونية وعدم القدرة على الوفاء بالالتزامات.
وخلال مؤتمر صحفي عقده إلى جانب وزير الإنتاج في المقاطعة أوغوستو كوستا، وجه كيسيلوف انتقادات أيضاً إلى قطاع المحافظ الإلكترونية، معتبراً أنها لم تعد مجرد وسيلة للدفع، بل أصبحت تقدم التمويل والقروض من دون الخضوع للضوابط الاحترازية نفسها المطبقة على جهات مالية أخرى.
وأعلن حاكم بوينس آيرس سلسلة إجراءات لحماية مستخدمي المحافظ الإلكترونية، مشيراً إلى أن تراجع دخل الأسر دفع كثيرين إلى اللجوء إلى الاقتراض من أجل شراء المواد الغذائية والأدوية ودفع الإيجارات.
لاريوخا تعلن حالة طوارئ ائتمانية لمدة 180 يوماً
وفي تحرك آخر، وقع حاكم لاريوخا ريكاردو كينتيلا مرسوماً للضرورة والاستعجال يقضي بإنشاء نظام إقليمي لحماية مستخدمي القروض الاستهلاكية.
ويشدد النظام الجديد تدخل الدولة في مواجهة الممارسات التعسفية، ويفرض متطلبات أكبر بشأن المعلومات التي يتعين على الجهات المانحة للقروض تقديمها، كما ينشئ آليات للتسجيل والرقابة ويفتح المجال أمام إجراءات تسوية لمعالجة حالات المديونية التي أصبحت غير قابلة للاستمرار.
وبالتزامن مع ذلك، أعلن كينتيلا حالة الطوارئ الاقتصادية والائتمانية لمدة 180 يوماً.
وأكدت حكومة المقاطعة أن الإجراءات لا تعني إلغاء الديون أو عرقلة النشاط المالي المشروع، وإنما تهدف إلى التدخل في الحالات التي تنطوي على إساءة أو نقص في الشفافية أو شروط غير متناسبة تهدد دخل الأسر.
وقال كينتيلا إن العديد من العائلات والعمال باتوا يقترضون لسداد ديون أخرى وليس من أجل التقدم أو تحسين أوضاعهم، مؤكداً ضرورة وضع حدود تحول دون استغلال ضعف الأسر.
طلب تحقيق في عمل المحافظ الإلكترونية والمؤسسات المالية
وفي بداية الأسبوع، تقدم نواب من PJ Federal بطلب لإجراء تحقيق بشأن المحافظ الإلكترونية والمؤسسات المالية، على خلفية اتهامات تتعلق بممارسات منافية للمنافسة ومخالفة لقانون حماية المنافسة.
وحظيت المبادرة بدعم النواب غييرمو ميشيل، فيكتوريا تولوسا باز، أمير فيليكس، إرنستو «بيبي» ألي، كيلي أولموس وبابلو يلدلين.
وقال ميشيل إن الرواتب تخسر أمام التضخم وإن النفقات الثابتة تستحوذ على جزء كبير من دخل الأسر، ما يدفع كثيراً من الأرجنتينيين إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وأضاف أن بعض معدلات الفائدة تصل، بحسب قوله، إلى 700% سنوياً، وأن عدد المدينين تجاوز 5.5 ملايين شخص، محذراً من تداعيات الوضع على الطبقة الوسطى.
النقابات تنقل أزمة الديون إلى الشارع
بالتوازي مع التحركات السياسية، خرجت الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) والحركات الاجتماعية في مسيرة باتجاه وزارة الاقتصاد وساحة مايو، بهدف تسليط الضوء على ارتفاع ديون الأسر وعدم قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على الوصول بدخلها إلى نهاية الشهر.
ووصف خورخي سولا، أحد الأمناء العامين للـCGT، الوضع بأنه «وباء مديونية» يطال المواطنين والعمال الرسميين وغير الرسميين والأسر، في ظل تراجع القوة الشرائية.
وبذلك، بات ملف مديونية الأسر نقطة التقاء بين أطراف متعددة داخل البيرونية، رغم اختلاف الأدوات المستخدمة؛ فمنها من لجأ إلى إصدار إجراءات محلية، ومنها من طالب بتحقيقات، بينما اختارت النقابات والحركات الاجتماعية الاحتجاج في الشارع.
ويتركز الخطاب المشترك لهذه الأطراف على تحميل السياسة الاقتصادية لحكومة خافيير ميلي مسؤولية تراجع قدرة الأسر على تغطية نفقاتها وتصاعد الاعتماد على الاقتراض، في وقت تسعى فيه البيرونية إلى تحويل أزمة الديون إلى أحد المحاور الرئيسية في مواجهتها السياسية والاقتصادية مع الحكومة.



