الأرجنتين بالعربي – خاص: أدخلت الحكومة الأرجنتينية تعديلات على مشروع «البراءة الضريبية» (Inocencia Fiscal) استجابةً لمطالب المعارضة، وقررت استبعاد المسؤولين الحكوميين من أبرز المزايا التي يتيحها النظام، ولا سيما الحماية التي تسمح بإدخال الأموال غير المصرح عنها سابقًا إلى الدورة الاقتصادية ضمن شروط النظام الجديد.
وبحسب المشروع المعدل، سيتمكن المسؤولون العموميون من الانضمام إلى النظام المبسط لضريبة الدخل (Régimen Simplificado de Ganancias – RSG) لتقديم الإقرار الضريبي ودفع الضريبة المستحقة، لكنهم لن يستفيدوا من قرينة صحة الإقرار أو من الحماية أمام بعض التسويات الضريبية بأثر رجعي.
ويعني ذلك عمليًا أنهم لن يتمكنوا من الاستفادة من الآلية المعروفة إعلاميًا في الأرجنتين باسم «إخراج الدولارات من تحت الفراش».
نحو 170 مليار دولار خارج النظام
يُعد المشروع من أولويات وزارة الاقتصاد، التي تسعى من خلاله إلى توفير قدر أكبر من الأمان القانوني للمكلفين وتشجيع إدخال الدولارات الموجودة خارج النظام المالي إلى الاقتصاد الرسمي.
وتقدّر الحكومة حجم هذه الأموال بنحو 170 مليار دولار.
وكانت النسخة السابقة من النظام تضع حدودًا للانضمام إليه، بحيث لا تتجاوز الإيرادات السنوية للمكلف مليار بيزو، وألا تتجاوز ثروته 10 مليارات بيزو.
لكن خبراء الضرائب اعتبروا هذه الشروط شديدة التقييد، ولذلك يتجه المشروع الجديد إلى إلغاء هذه الحدود وتوسيع عدد الأشخاص القادرين على الانضمام إلى النظام.
كما يشدد المشروع المعايير التي تعتمدها وكالة التحصيل والرقابة الجمركية (ARCA) للكشف عن الاختلافات في الإقرارات الضريبية.
وتُعتبر هناك مخالفة مؤثرة عندما تكتشف الوكالة زيادة في الضريبة المستحقة أو انخفاضًا في الخسائر الضريبية بنسبة لا تقل عن 15%. وحتى إذا تجاوز الاختلاف هذه النسبة، فلن يؤدي بالضرورة إلى الاستبعاد من النظام إذا لم يبلغ المبلغ 5% من قيمة التهرب المحددة في قانون العقوبات الضريبية.
لماذا استُبعد المسؤولون؟
أصبحت قضية المسؤولين الحكوميين إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في المشروع، خصوصًا بعد انضمام رئيس ديوان الوزراء السابق مانويل أدورني (Manuel Adorni) إلى النظام المبسط لضريبة الدخل، بالتزامن مع تحقيق قضائي يتعلق بشبهة إثراء غير مشروع.
وساهمت القضية في تسريع النقاش السياسي والضغط من أجل تعديل المشروع.
وبموجب النص الجديد، يستطيع المسؤول العام استخدام الإقرار الضريبي المبسط ودفع الضريبة من خلاله، لكنه لا يحصل على بقية الآثار القانونية والافتراضات والمزايا التي يمنحها النظام للمكلفين الآخرين.
ويرى سيباستيان دومينغيز (Sebastián Domínguez)، الرئيس التنفيذي لشركة SDC للاستشارات الضريبية، أن استبعاد المسؤولين من هذه المزايا أمر منطقي، لأن وضعهم كموظفين عموميين يقتضي إمكانية قيام السلطات الضريبية بإجراء تسويات أو تحقيقات إذا ظهرت مؤشرات على إثراء أو فروقات مالية تستوجب التدقيق.
ماذا عن المسؤولين الذين انضموا سابقًا؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط القانونية تعقيدًا.
فالتعديل المقترح يسري إلى الأمام، بينما مضت أكثر من سبعة أشهر منذ إقرار قانون البراءة الضريبية السابق في ديسمبر/كانون الأول.
وبالتالي، فإن المسؤولين الذين انضموا بالفعل خلال تلك الفترة قد يتمسكون بالمزايا التي حصلوا عليها بموجب القانون النافذ آنذاك.
وقال الخبير الضريبي ماريانو غيراردوتي (Mariano Ghirardotti) إن الذين دخلوا النظام سابقًا اكتسبوا حقًا في الاستفادة من الشروط والمزايا التي كانت سارية عند انضمامهم.
ويرى خبراء آخرون أن القانون الجديد لا يستطيع ببساطة إلغاء تلك المزايا بأثر رجعي.
ومن النقاط التي أثارت تساؤلات أيضًا أن المشروع يستبعد المسؤولين أنفسهم، لكنه لا يتناول بصورة مماثلة أفراد عائلاتهم أو الأشخاص المرتبطين بهم، على خلاف بعض أنظمة تسوية الأموال السابقة التي كانت تفرض قيودًا على الأشخاص المعرضين سياسيًا وأقاربهم.
هل ستخرج الدولارات فعلًا من المنازل؟
هذا هو الرهان الاقتصادي الأكبر للحكومة.
فوزارة الاقتصاد تريد إعادة جزء من المدخرات الدولارية الموجودة خارج النظام المصرفي إلى الاقتصاد، لكن الخبراء يشددون على أن نجاح الخطة لن يعتمد فقط على النصوص القانونية، وإنما أيضًا على الثقة والاستقرار والتوقعات السياسية والاقتصادية.
وأشار دومينغيز إلى أن عمليات التسوية السابقة أظهرت أهمية عنصر الثقة. وخلال التسوية التي نفذتها الحكومة الحالية دخل نحو 20 مليار دولار إلى المصارف، بينما بلغت الأموال المصرح عنها في عملية التسوية التي جرت خلال عهد الرئيس الأسبق ماوريسيو ماكري نحو 116 مليار دولار.
لكن النظام الحالي، بحسب الخبراء، ليس عملية تبييض أموال تقليدية، ولذلك قد يكون سلوك أصحاب المدخرات أكثر حذرًا.
فالشخص الذي يمتلك مبلغًا محدودًا ويريد استخدامه لشراء سيارة أو عقار قد يجد في النظام الجديد حافزًا لإدخاله إلى الدورة الرسمية، بينما قد ينتظر أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لمعرفة اتجاه الاقتصاد والانتخابات المقبلة ومدى استمرار السياسات الحالية.
من جهتها، اعتبرت نويليا جيراردي (Noelia Girardi)، مديرة الضرائب في Lisicki, Litvin & Abelovich، أنه من غير المتوقع ظهور جميع «دولارات تحت الفراش» دفعة واحدة، لأن القرار يرتبط بدرجة كبيرة بثقة أصحاب الأموال واستعدادهم لإعادتها إلى النظام المالي.
وبالتالي، فإن نجاح مشروع «البراءة الضريبية» لن يقاس فقط بحجم التسهيلات التي يقدمها، وإنما بقدرته على إقناع الأرجنتينيين بأن إدخال مدخراتهم الدولارية إلى الاقتصاد الرسمي لن يعرضهم مستقبلًا لمخاطر ضريبية أو قانونية غير متوقعة.






