الأرجنتين بالعربي – خاص:
خططت الحكومة الأرجنتينية بعناية للطريقة التي سيعود بها الرئيس خافيير ميلي، من خلال خطابه عبر الشبكة الوطنية بشأن جزر مالفيناس، إلى الساحة التي ترى أوساط داخل السلطة أنها الأكثر ملاءمة لأسلوبه السياسي: المواجهة والصراع.
وبعد الانتقادات التي صدرت عن وسائل إعلام بريطانية وردود الفعل القوية من المعارضة، قال مسؤول حكومي بارز بنبرة رضا: «الآن تبدأ المواجهة»، في إشارة إلى أن ردود الفعل الحادة كانت متوقعة داخل الحكومة، بل ومرغوبة في إطار ظهور خصم مشترك «جديد».
مالفيناس ومحاولة استعادة المبادرة السياسية
ترى أوساط حكومية أن المواجهة التقليدية مع الكيرشنرية، رغم استمرار فائدتها السياسية بالنسبة إلى الليبرتاريين، لم تعد تحقق الفاعلية السابقة في الحفاظ على التأييد أو توسيعه.
وتقر مصادر داخل الحكومة بأن شعبية التيار الحاكم ما تزال قوية بين الشباب، لكنها تشير إلى تراجع التأييد بين القطاعات الأكثر فقرًا، وإلى أداء أسوأ بين من تجاوزوا سن الأربعين وبين النساء.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة، وفق القراءة الداخلية للخطاب، أن يشدد ميلي على مفهوم «الوحدة الوطنية».
وفي الوقت نفسه، تعترف مصادر في كاسا روسادا بأن الحكومة، التي تشهد خلافات وتباينات داخلية، تحتاج أيضًا إلى تعزيز وحدتها الداخلية، وترى أن قضية مالفيناس قد تساعد في تحقيق هذا الهدف.
حماس داخل الحكومة بعد استعادة ميلي زمام الأجندة
يسود حماس واضح داخل أوساط الليبرتاريين بعد نجاح ميلي، بحسب رؤيتهم، في استعادة السيطرة على الأجندة السياسية خلال الأيام الأخيرة من خلال قضية السيادة الوطنية.
ووصل الحماس لدى بعض المسؤولين إلى مقارنة خطاب ميلي الأخير بأحد أشهر الخطابات السياسية منذ عودة الديمقراطية إلى الأرجنتين، وهو خطاب الرئيس الراحل راؤول ألفونسين عام 1987 بعد تمرد «كارابينتاداس»، عندما قال عبارته الشهيرة: «عيد فصح سعيد، البيت في نظام».
وقال مسؤولون في مقر الرئاسة في بالكارسي 50: «لا توجد قضية أخرى مثل هذه».
الحكومة ترفض اتهامها باستغلال مالفيناس انتخابيًا
في المقابل، تثير الاتهامات الموجهة إلى الحكومة بأنها تستخدم قضية مالفيناس بدافع الانتهازية السياسية أو الشعبوية غضبًا واضحًا داخل السلطة.
وتؤكد كاسا روسادا أن تبني القضية «حقيقي» وليس مجرد مناورة سياسية، كما تقلل من أهمية التغييرات التي طرأت على مواقف ميلي ووزير الخارجية بابلو كيرنو بشأن ملف مالفيناس.
إلا أن الحديث عن الحسابات الانتخابية لا يغيب داخل أروقة السلطة، حتى وإن كان الخطاب الرسمي يرفض الاعتراف بها، ويصر على أن الإجراءات تنطلق من «قناعة خالصة»، بينما تعتبر الحكومة أن الحديث عن المكاسب الانتخابية مجرد تحليلات سياسية من خارجها.
حاكم تييرا ديل فويغو يرحب بالإجراءات لكنه يشير إلى تغير المواقف
اعتبر حاكم تييرا ديل فويغو غوستافو ميليلا، الذي يحافظ على مسافة سياسية من الحكومة الوطنية مع استمرار قنوات الحوار معها عبر دييغو سانتيلي، أن الإجراءات المعلنة إيجابية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى التحول الذي طرأ على مواقف الحكومة من قضية مالفيناس.
ولم تشرك الحكومة الوطنية إدارة تييرا ديل فويغو مسبقًا في إعداد الإجراءات، رغم أن الجزر تندرج ضمن المطالبة الإقليمية للمقاطعة وأن القاعدة البحرية التي أعلن عنها ميلي ستقام فيها.
وتبرر مصادر حكومية غياب التنسيق المسبق بأنها تفترض أن حكومة المقاطعة ستقدم الدعم اللازم للمشروع، وقال أحد المسؤولين: «ليس أمامهم مجال لفعل شيء آخر».
بين التصعيد والحذر الدبلوماسي
في داخل الحكومة، يريد بعض المسؤولين الرد سريعًا على المواقف الدولية وانتقادات المعارضة، بينما تدعو أصوات أخرى إلى قدر أكبر من الحذر للحفاظ على المسار الدبلوماسي.
وقال مستشار حكومي بارز: «لا يمكننا أن نخرج ونقول: لنسلح الشباب ونستعد لاستعادة الجزر. يجب الحفاظ على مستوى معين».
وفي هذا السياق، تعاملت الأوساط الأكثر تحفظًا داخل الحكومة مع رد الشركات المشغلة لمشروع Sea Lion النفطي، التي قللت من التأثير المادي للعقوبات الأرجنتينية، باعتباره محاولة لطمأنة المستثمرين وحماية قيمة أسهمها في الأسواق.
لكن مسؤولًا حكوميًا أكد في المقابل: «بالطبع ستكون هناك عواقب مادية».
عودة سانتياغو كابوتو إلى قلب المشهد
بعد المرحلة الأولى من حكومة ميلي التي شهدت ملفات سياسية كبيرة مثل «ميثاق مايو» وقانون الأسس (Ley Bases)، فُسر الخطاب الجديد أيضًا باعتباره عودة قوية للمستشار الرئاسي سانتياغو كابوتو إلى أحد الملفات المركزية في السياسة الحكومية.
وتؤكد مصادر مقربة من القيادة أن ابتعاده السابق كان ظاهريًا أو مؤقتًا، وتقول: «لم يرحل أبدًا».
وبعد فترة من الصمت الإعلامي، عاد المقربون من كابوتو إلى الظهور عقب خطاب ميلي، وسعوا إلى إبراز دور مستشار الرئيس في إعداد الرسالة، في سياق الصراع الداخلي مع جناح عائلة مينيم.
ويشير التقرير إلى أن جهاز الاستخبارات SIDE ووزارة الخارجية، اللذين يقودهما رسميًا كريستيان أوغادرا وبابلو كيرنو، يخضعان لنفوذ سياسي قوي من جانب المستشار الرئاسي.
«ميثاق صمت» قبل خطاب ميلي
في الأيام التي سبقت الخطاب، صدرت تعليمات داخل الحكومة بفرض صمت كامل لمنع تسرب أي تفاصيل عن الإعلان.
والتزمت الصفوف الأولى في الحكومة بهذه التعليمات، فيما خفض فريق سانتياغو كابوتو خصوصًا تصريحاته العلنية وغير الرسمية إلى الحد الأدنى، سواء بشأن مالفيناس أو الملفات الأخرى.
وقال أحد المقربين من هذا القطاع: «الإعلان كان مهمًا للغاية لدرجة أنه لم يكن من الممكن حرق أي جزء منه مسبقًا».
ولم تبدأ الحملة الإعلامية المنظمة إلا قبيل الخطاب، من خلال شبكة من الرسائل المتشابهة والوسوم والصور التي جمعت بين ميلي وخريطة مالفيناس بألوان العلم الأرجنتيني، بهدف رفع مستوى الترقب قبل الإعلان.
اتهامات للسفارة والاستخبارات البريطانية
وبعد الخطاب، برز داخل شبكات التواصل الاجتماعي المحسوبة على الحكومة خطاب يتهم منتقدي إجراءات ميلي بشأن مالفيناس بأنهم «ممَوّلون من السفارة البريطانية».
ووفق التقرير، لا يقتصر هذا الاعتقاد على الحملات الإلكترونية، إذ توجد في مستويات عليا داخل الحكومة قناعة بأن بعض الروايات الإعلامية السابقة، ومنها الحديث عن احتمال استبعاد الأرجنتين من كأس العالم أو مزاعم قبول المنتخب بخسارة المباراة النهائية، كانت جزءًا مما وصفوه بـ**«الهجوم الأخير للاستخبارات البريطانية»**.
وتبقى هذه اتهامات صادرة عن أوساط حكومية ولم يقدم النص أدلة مستقلة تثبتها.
الحسابات الانتخابية تبقى في الخلفية
رسميًا، تحاول حكومة ميلي إبعاد قضية مالفيناس عن أي تفسير انتخابي، وتكرر أن تحركها يستند إلى قناعة سياسية وسيادية وليس إلى حسابات مرتبطة بالانتخابات.
لكن خلف الخطاب الرسمي، يشير التقرير إلى وجود حسابات سياسية أخرى مرتبطة بقدرة القضية على إعادة توحيد القاعدة المؤيدة للحكومة، واحتواء الخلافات الداخلية، واستعادة قطاعات من الناخبين، ومنح ميلي محورًا جديدًا للمواجهة بعد تراجع فاعلية الاستقطاب التقليدي مع الكيرشنرية.
وبذلك لا يقتصر ما جرى خلف خطاب مالفيناس على الإجراءات القانونية والعسكرية والاقتصادية التي أعلنها الرئيس، بل يمتد إلى استراتيجية سياسية واتصالية أعدت بعناية داخل كاسا روسادا، تقوم على السرية قبل الإعلان، والسيطرة على الأجندة بعده، والاستفادة من ردود الفعل الداخلية والخارجية لإعادة قضية السيادة إلى قلب النقاش السياسي الأرجنتيني.
