دليل الارجنتين 2

الظواهر المناخية تهدد التجارة الخارجية للأرجنتين.. ارتفاع نهر بارانا والجفاف في قناة بنما والأعاصير الآسيوية تربك حركة الشحن

الظواهر المناخية تهدد التجارة الخارجية للأرجنتين.. ارتفاع نهر بارانا والجفاف في قناة بنما والأعاصير الآسيوية تربك حركة الشحن

الأرجنتين بالعربي – خاص:

تواجه التجارة الخارجية الأرجنتينية تحديات لوجستية متزايدة نتيجة تزامن عدد من الظواهر المناخية المتطرفة في مناطق مختلفة من العالم، وسط توقعات باشتداد ظاهرة «النينيو» المناخية خلال الأشهر الأخيرة من عام 2026، وما قد يترتب عليها من ارتفاع منسوب نهر بارانا في الأرجنتين، واستمرار القيود على الملاحة في قناة بنما، واضطراب حركة الشحن في الموانئ الآسيوية.

وتشير التقديرات الواردة عن الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي إلى احتمال بنسبة 75% لوصول ظاهرة النينيو إلى مستوى قياسي من الشدة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى ديسمبر، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن تأثيراتها على سلاسل الإمداد العالمية والتجارة الأرجنتينية.

وتبرز ثلاثة تحديات رئيسية أمام قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، تتمثل في الارتفاع المتوقع لمياه نهر بارانا عند الموانئ المحيطة بمدينة روساريو، والجفاف الذي يحد من قدرة قناة بنما على استقبال السفن بكامل حمولتها، والأعاصير المدارية التي تسببت في تعطيل العمليات داخل موانئ صينية رئيسية.

ويؤدي تزامن هذه التطورات إلى تقليص قدرة المستوردين والمصدرين على تحديد مواعيد الشحن بدقة، وإدارة المخزونات، والتخطيط لتكاليف النقل البحري، خصوصًا مع اقتراب موسم زيادة حركة الصادرات الزراعية الأرجنتينية.

ظاهرة النينيو القوية وتداعياتها على حركة التجارة العالمية

تُستخدم تسمية «النينيو الخارق» بصورة غير رسمية للإشارة إلى الحالات الاستثنائية الشدة من ظاهرة النينيو، لكنها ليست تصنيفًا علميًا مستقلًا معتمدًا لدى الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي أو المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

وتصنف المؤسستان هذه الحالات ضمن نوبات النينيو الشديدة جدًا، وهي ظاهرة مناخية ترتبط بارتفاع درجات حرارة المياه السطحية في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤثر في أنماط هطول الأمطار والحرارة في مناطق واسعة من العالم.

ومن أبرز الحالات التاريخية القوية لهذه الظاهرة تلك التي سُجلت خلال الأعوام 1982 و1983، و1997 و1998، و2015 و2016، والتي ارتبطت باضطرابات مناخية واسعة النطاق.

وتكشف المؤشرات المرتبطة بالمشهد الحالي عن حجم التحديات التي قد تواجه قطاع النقل البحري، إذ يبلغ منسوب الإخلاء المرتبط بارتفاع مياه نهر بارانا في روساريو 5.30 أمتار، بينما يبدأ مستوى الإنذار عند 5 أمتار.

وفي الوقت نفسه، سجلت الأمطار في حوض قناة بنما انخفاضًا بنسبة 34% خلال الفترة الممتدة من مايو إلى أغسطس، مقارنة بالمتوسط التاريخي.

أما في الصين، فقد استمر إغلاق ميناء نينغبو لمدة 78 ساعة خلال أسبوع واحد، عقب مرور أحد الأعاصير المدارية التي ضربت المنطقة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تتعلق بممرات وموانئ تؤدي أدوارًا أساسية في حركة الحبوب والمواد الأولية والسلع المصنعة والتجارة الدولية.

ارتفاع نهر بارانا يضع موانئ روساريو أمام تحديات تشغيلية

يتوقع المعهد الوطني للمياه في الأرجنتين تقدم موجة ارتفاع منسوب نهر بارانا بسرعة عبر الجزء الأرجنتيني من مجراه، على أن تصل إلى ذروتها في منطقة روساريو خلال الأيام الأولى من نوفمبر.

وكان منسوب النهر قد بلغ 3.33 أمتار في منتصف أكتوبر، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاعه إلى نحو 4.90 أمتار بحلول نهاية الشهر، مقتربًا من مستوى الإنذار المحدد عند 5 أمتار.

وتثير هذه التوقعات اهتمام السلطات الملاحية وشركات تشغيل الموانئ، نظرًا للأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها نهر بارانا في منظومة الصادرات الزراعية الأرجنتينية.

فمن خلال المجمع المينائي المعروف باسم «أب ريفر»، الممتد على طول المنطقة النهرية المرتبطة بمدينة روساريو، تمر النسبة الأكبر من صادرات البلاد من الحبوب والدقيق والزيوت النباتية.

ويؤدي ارتفاع منسوب المياه إلى نتائج متباينة بالنسبة إلى الملاحة، إذ يسمح من جهة بزيادة العمق الطبيعي المتاح للسفن، لكنه يتسبب من جهة أخرى في تسارع التيارات المائية، بما قد يعقّد عمليات الرسو ومغادرة الأرصفة والمناورة داخل الممرات النهرية.

كما يمكن أن تؤثر التيارات القوية في الملاحة الليلية، التي تخضع أصلًا لقيود تشغيلية في عدد من مقاطع الممر الملاحي.

ولا تقتصر المخاطر على حركة السفن، بل تمتد إلى البنية التحتية البرية المرتبطة بالموانئ، ولا سيما الطرق التي تستخدمها الشاحنات لنقل المحاصيل الزراعية من مناطق الإنتاج إلى محطات التصدير.

الشاحنات ومواعيد تصدير الحبوب تحت ضغط الفيضانات

يمكن أن يؤدي ارتفاع مياه نهر بارانا بصورة كبيرة إلى التأثير في الطرق المؤدية إلى المحطات المينائية، وتعطيل وصول الشاحنات المحملة بالحبوب والمنتجات الزراعية، خصوصًا خلال الفترات التي تشهد نشاطًا مكثفًا في عمليات الشحن والتصدير.

وتنعكس هذه الاضطرابات على الجدول التشغيلي للموانئ، إذ تؤدي التأخيرات في تفريغ الشاحنات إلى إرباك مواعيد تحميل السفن، وهو ما قد يتسبب بدوره في تأجيل مغادرة الشحنات المخصصة للأسواق الخارجية.

وتزداد حساسية هذه العمليات بسبب الترابط بين النقل البري والمخازن والصوامع ومحطات التحميل والسفن التجارية، حيث يمكن لأي تعطيل في إحدى مراحل سلسلة الإمداد أن ينتقل إلى بقية المراحل.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح قدرة شركات النقل والمصدرين على تنسيق مواعيد وصول الشاحنات وتحميل السفن عاملًا أساسيًا للحد من التأخير وتجنب تراكم البضائع في المناطق المينائية.

الجفاف في قناة بنما يقلص حركة السفن وحمولاتها

بينما تواجه المناطق النهرية في الأرجنتين احتمالات ارتفاع مستويات المياه، تشهد قناة بنما مشكلة معاكسة تتمثل في نقص الأمطار وتراجع الموارد المائية اللازمة لتشغيل الممر الملاحي.

ودفعت هذه الظروف هيئة قناة بنما إلى خفض عدد عمليات عبور السفن اليومية من 36 إلى 32 عملية.

كما خفضت الهيئة الحد الأقصى للغاطس المسموح به لسفن «نيوباناماكس» من 50 قدمًا إلى 48 قدمًا، وهو ما يفرض على بعض السفن تقليل حمولتها لضمان الالتزام بالعمق الملاحي المسموح به.

وتؤثر هذه القيود في القدرة التشغيلية للقناة التي تربط المحيطين الأطلسي والهادئ، وتُعد من أبرز الممرات الاستراتيجية للتجارة البحرية الدولية.

ووفق التقديرات الواردة في ميزانية هيئة قناة بنما، فإن السنة المالية التي بدأت في الأول من أكتوبر قد تشهد انخفاضًا بمقدار 743 سفينة في حركة العبور، إلى جانب تراجع حجم البضائع المنقولة بنحو 5 ملايين طن.

وكانت الهيئة قد أعلنت في أواخر سبتمبر أن تحسن مستويات المياه في بحيرة غاتون سيسمح بالمحافظة على حد الغاطس البالغ 48 قدمًا حتى ديسمبر على الأقل، دون الحاجة إلى تخفيضات إضافية خلال تلك الفترة.

وتظل التطورات المناخية اللاحقة عاملًا مؤثرًا في القرارات المتعلقة بعدد السفن المسموح لها بالعبور والحمولات التي يمكن نقلها.

كيف تتأثر الأرجنتين بالقيود المفروضة على قناة بنما؟

رغم أن قناة بنما تقع خارج الأراضي الأرجنتينية، فإن أي تراجع في قدرتها التشغيلية يمكن أن ينعكس على التجارة الخارجية للبلاد من خلال سوق النقل البحري العالمية.

فعندما تنخفض القدرة الاستيعابية لممر ملاحي رئيسي، تتزايد الضغوط على المساحات المتاحة لنقل البضائع داخل السفن التجارية، وقد تضطر شركات الشحن إلى تعديل مساراتها أو إعادة جدولة رحلاتها.

ويمكن أن تؤدي هذه التغيرات إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحري وإطالة المدة اللازمة لوصول البضائع إلى وجهاتها.

وتكتسب المسألة أهمية بالنسبة إلى المستوردين والمصدرين الأرجنتينيين، الذين يعتمدون على انتظام حركة السفن والممرات الدولية لتحديد تكاليف العمليات التجارية ومواعيد التسليم.

وفي حال استمرار القيود لفترات طويلة، قد تواجه الشركات صعوبات إضافية في الحصول على خدمات النقل ضمن الجداول الزمنية المخططة، مع احتمالات زيادة النفقات التشغيلية المرتبطة بالشحن والتخزين.

الأعاصير المدارية تعطل موانئ الصين وتؤخر الشحنات

إلى جانب التحديات المرتبطة بنهر بارانا وقناة بنما، شهدت الموانئ الصينية خلال يوليو وأغسطس اضطرابات تشغيلية نتيجة مرور أعاصير مدارية أثرت في الساحل الشرقي للبلاد.

وتسببت الأعاصير التي حملت أسماء بافي ودولفين وساوديل في تعليق العمل عدة مرات داخل محطات مينائية رئيسية، من بينها ميناءا شنغهاي ونينغبو، اللذان يعدان من أكبر مراكز تداول الحاويات في العالم.

ومع استئناف العمل بعد مرور العواصف، واجهت الموانئ تراكمًا في أعداد السفن المنتظرة، ما أدى إلى تمديد فترات الانتظار للرسو إلى ما بين 6 و12 يومًا.

ولم تقتصر التداعيات على الموانئ الصينية نفسها، بل امتدت إلى الرحلات البحرية المرتبطة بها، نتيجة اضطرار شركات النقل إلى إعادة تنظيم جداول الإبحار والتوقف في الموانئ الأخرى.

وتؤثر هذه الاضطرابات بصورة مباشرة في انتظام حركة الحاويات والبضائع الموجهة إلى الأسواق العالمية، بما فيها دول أمريكا الجنوبية.

المستوردون الأرجنتينيون يواجهون صعوبة في تحديد مواعيد التسليم

تتمثل المشكلة الرئيسية التي تواجه الشركات المستوردة في فقدان القدرة على التنبؤ بمواعيد وصول الشحنات.

فعندما تغادر السفن الموانئ الصينية خارج مواعيدها المحددة، تتأثر الرحلات اللاحقة ونقاط الربط مع الخطوط البحرية المتجهة إلى أمريكا الجنوبية.

ويؤدي ذلك إلى إعادة جدولة الشحنات وتأخير وصول البضائع، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الموانئ الأرجنتينية نفسها متأثرة مباشرة بالظروف المناخية.

وتزداد أهمية هذه المشكلة بالنسبة إلى السلع المخصصة لموسم نهاية العام، عندما تعتمد الشركات التجارية على وصول المنتجات ضمن مواعيد محددة لتلبية الطلب في الأسواق.

وقد يضطر المستوردون في هذه الظروف إلى تعديل خطط المخزون أو إعادة تنظيم عمليات التوزيع، بما يتناسب مع المواعيد الجديدة لوصول الحاويات.

كما يمكن أن يؤدي تراكم التأخيرات في الموانئ الآسيوية إلى اضطرابات متتالية في سلاسل الإمداد، خصوصًا عندما تتزامن مع قيود ملاحية في مناطق أخرى من العالم.

الموسم الزراعي 2026–2027 أمام تحديات مناخية ولوجستية

تشير التقديرات المنسوبة إلى الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي إلى احتمال يقارب 98% لاستمرار ظاهرة النينيو حتى بداية عام 2027، مع توقع بلوغها أعلى مستويات الشدة خلال الربع الأخير من عام 2026.

وتتزامن هذه الفترة مع موسم حصاد المحاصيل الشتوية والتحضيرات اللوجستية للموسم الزراعي 2026–2027، الذي يشهد زيادة في حركة نقل المنتجات الزراعية باتجاه الموانئ.

وتعتمد كفاءة عمليات تصدير الحبوب بدرجة كبيرة على انتظام الأحوال الجوية، ليس فقط في الممرات المائية، وإنما أيضًا في مناطق الإنتاج الزراعي وشبكات الطرق التي تربط الحقول بمراكز التخزين والتصدير.

فالأمطار الغزيرة التي تتزامن مع أسابيع الحصاد يمكن أن تؤخر جمع المحاصيل ونقلها، وتؤدي إلى اضطراب مواعيد وصول الشاحنات إلى المحطات المينائية.

وتزداد صعوبة إدارة العمليات عندما تتزامن هذه التأخيرات البرية مع قيود ملاحية أو ازدحام في الموانئ.

ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن تقديرات رسمية بشأن احتمال انخفاض إنتاجية محاصيل فول الصويا أو الذرة أو القمح نتيجة الظروف المناخية المتوقعة.

ويعني ذلك أن المخاطر المطروحة حاليًا تتعلق بصورة أساسية بالتخطيط اللوجستي وتوقيت الأمطار وتأثيراتها المحتملة في النقل والشحن، دون وجود أساس رسمي لتحديد خسائر إنتاجية زراعية.

الأسابيع المقبلة تحدد مسار حركة الصادرات والواردات

تترقب الشركات العاملة في التجارة الخارجية الأرجنتينية ثلاثة تطورات رئيسية خلال الأسابيع المقبلة، تتمثل في مستوى ارتفاع نهر بارانا خلال نوفمبر، والقرارات الجديدة التي قد تتخذها هيئة قناة بنما بشأن حركة السفن، ومدى عودة العمليات في الموانئ الصينية إلى انتظامها المعتاد.

وسيكون لهذه العوامل دور مهم في تحديد تكاليف الشحن ومواعيد تسليم البضائع وقدرة الشركات على تنظيم عمليات الاستيراد والتصدير.

وتبرز في هذا السياق أهمية التخطيط المسبق، وإتاحة فترات زمنية إضافية في جداول النقل، ودراسة المسارات البديلة عند الضرورة، لتقليل أثر الاضطرابات المناخية على سلاسل الإمداد.

وتوضح هذه التطورات أن التجارة الخارجية الأرجنتينية لا تتأثر فقط بالسياسات الاقتصادية وأسعار الصرف والطلب العالمي، بل تعتمد أيضًا على استقرار شبكة مترابطة من الموانئ والممرات الملاحية والبنية التحتية البرية، يمكن أن تتعرض لاضطرابات متزامنة بفعل الظواهر الطبيعية في مناطق متباعدة من العالم.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
كتاب دليل الارجنتين عامود
نوار كتاو Nawar Chattaw
MWAFI
شاورما النبك 3
perteneser
نوتسياس لاتيناس