دليل الارجنتين 2

تأثير بيتر ثيل في الأرجنتين.. كيف تحولت سياسات ميلي إلى نقطة جذب لمليارديرات التكنولوجيا الليبرتاريين؟

تأثير بيتر ثيل في الأرجنتين.. كيف تحولت سياسات ميلي إلى نقطة جذب لمليارديرات التكنولوجيا الليبرتاريين؟

الأرجنتين بالعربي – خاص:

تتحول الأرجنتين تدريجيًا إلى وجهة تثير اهتمام مجموعة من كبار المستثمرين وأثرياء قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة، ممن تجمعهم أفكار اقتصادية وسياسية ليبرتارية، ورهانات على الذكاء الاصطناعي والطاقة ومشاريع المدن المستقبلية، في ظاهرة باتت تُعرف باسم «تأثير بيتر ثيل»، نسبة إلى الملياردير الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في وادي السيليكون.

ولا يبدو أن اهتمام هؤلاء المستثمرين بالأرجنتين يقتصر على الفرص الاقتصادية التقليدية، بل يتداخل مع إعجابهم بالتجربة السياسية التي يقودها الرئيس خافيير ميلي، وما تمثله بالنسبة إليهم من محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والأسواق والحريات الاقتصادية.

وتشمل الاستثمارات والاهتمامات الجديدة قطاعات النفط والغاز والذكاء الاصطناعي الطبي والعقارات، وصولًا إلى مشاريع إنشاء مجتمعات ومدن ذكية في منطقة ريو دي لا بلاتا، في الأرجنتين وأوروغواي.

لكن هذه الظاهرة تثير تساؤلات بشأن طبيعة المستثمرين القادمين، وأفكارهم المثيرة للجدل حول الديمقراطية والتكنولوجيا، وما إذا كانت رهاناتهم ستتحول إلى استثمارات مستدامة، أم ستبقى مرتبطة بالإعجاب السياسي المؤقت بالتجربة الأرجنتينية.

عشاء في منزل وزير أرجنتيني يكشف بداية العلاقة

في أبريل الماضي، استضاف وزير إزالة القيود التنظيمية والتحول الحكومي الأرجنتيني فيديريكو ستورزينيغر (Federico Sturzenegger) مأدبة عشاء في منزله، بحضور وزير الخارجية بابلو كيرنو (Pablo Quirno) وعدد من رجال الأعمال، بينهم مارسيلو ميندلين (Marcelo Mindlin)، رئيس شركة بامبا إنيرخيا (Pampa Energía).

وكان الضيف الأبرز الملياردير الأمريكي بيتر ثيل (Peter Thiel)، أحد مؤسسي شركتي PayPal وPalantir، ومن أوائل المستثمرين في شركة فيسبوك.

ورغم أن الزيارة بدت في البداية ذات طابع شخصي واجتماعي، فإنها كشفت لاحقًا عن اهتمام اقتصادي وسياسي يتجاوز حدود السياحة.

فثيل، الذي تُقدر ثروته الشخصية بنحو 40 مليار دولار أمريكي، يُعد من الشخصيات الأكثر نفوذًا في عالم التكنولوجيا والاستثمار، كما يشتهر بأفكاره المثيرة للجدل بشأن الديمقراطية والحرية والتقدم التكنولوجي.

وخلال وجوده في الأرجنتين، اشترى قصرًا في منطقة باريو باركي (Barrio Parque) الراقية في بوينس آيرس، مقابل 12 مليون دولار.

وبعد أشهر، أظهر إفصاح قُدم إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) أنه استثمر أيضًا في قطاع الطاقة الأرجنتيني.

فقد استحوذ على 1% من أسهم شركة فيستا إنيرجي (Vista Energy)، العاملة في قطاع النفط والغاز، مقابل نحو 76 مليون دولار، في خطوة تمثل دخولًا مباشرًا إلى الاستثمارات المرتبطة بمنطقة فاكا مويرتا (Vaca Muerta).

لقاء مع ميلي وسؤال عن مستقبل النموذج الاقتصادي

وصل ثيل إلى الأرجنتين برفقة زوجه مات دانزايسن (Matt Danzeisen)، الذي شغل سابقًا منصب نائب رئيس في شركة بلاك روك (BlackRock)، وأطفالهما.

وخلال الزيارة، عقد سلسلة من اللقاءات مع شخصيات سياسية واقتصادية بارزة.

فقد اجتمع بالرئيس خافيير ميلي في القصر الرئاسي كاسا روسادا، وتناول الغداء مع المستشار الرئاسي سانتياغو كابوتو، كما التقى وزير الاقتصاد لويس كابوتو في مقر وزارة الاقتصاد.

وبحسب ما رواه ميلي، طرح عليه ثيل سؤالًا محوريًا يتعلق بمدى قدرة النموذج الاقتصادي والسياسي الحالي على الاستمرار على المدى الطويل.

وجاء رد الرئيس الأرجنتيني بعيدًا عن التفاصيل الاقتصادية التقليدية، إذ اعتبر أن الضمانة الحقيقية لاستمرار مشروعه تكمن في «المعركة الثقافية».

ويعكس هذا الحوار أحد أهم أسباب اهتمام ثيل بالتجربة الأرجنتينية، إذ لا ينظر إليها بوصفها فرصة مالية فحسب، بل باعتبارها تجربة سياسية وفكرية تتقاطع مع بعض رؤاه.

ويُعرف ثيل بمواقفه التي تشكك في التوافق بين الديمقراطية والحرية، وباهتمامه بالتطور التكنولوجي المتسارع، وإطالة عمر الإنسان، واستكشاف الفضاء، فضلًا عن تأثره بأفكار الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار (René Girard)، ولا سيما نظريته حول «الرغبة المحاكاتية».

كما ارتبط اسم شركاته بانتقادات تتعلق بالمراقبة وجمع المعلومات، بينما تثير مواقفه بشأن الاحتكار والتكنولوجيا والسلطة جدلًا واسعًا.

لماذا يختار ثيل الأرجنتين؟

بحسب رجل أعمال أرجنتيني تحدث عن اهتمام ثيل بالبلاد، فإن الملياردير الأمريكي يرغب في قضاء وقت أطول في الأماكن التي يشعر فيها بوجود توافق مع توجهاتها السياسية.

وتتفق مصادر رسمية مع هذا التفسير، مشيرة إلى أن ثيل يجد ظاهرة ميلي مثيرة للاهتمام، ويرى في الأرجنتين احتمالًا لتكون ملاذًا في عالم يشهد أزمات واضطرابات متزايدة.

وفي مقابلة حديثة ضمن برنامج MD Meets، توقع ثيل إعادة انتخاب خافيير ميلي في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، لكنه أقر بأن نجاح المشروع الاقتصادي الأرجنتيني بصورة نهائية لا يزال مسألة غير محسومة.

وأوضح أن أحد أسباب اهتمامه بالتجربة الأرجنتينية يتمثل في مخاوف موجودة في الغرب من أن يتحول الماضي الاقتصادي المضطرب للأرجنتين إلى مستقبل محتمل لدول أخرى.

والمفارقة أن هذه التصريحات تزامنت مع تجاوز مؤشر المخاطر السيادية الأرجنتينية 600 نقطة أساس، مسجلًا أعلى مستوى له خلال ستة أشهر.

ويكشف هذا التباين اختلافًا بين المستثمرين الذين يراهنون على التحولات السياسية والاقتصادية طويلة الأجل، والأسواق المالية التي تركز على المخاطر قصيرة المدى.

استثمارات واهتمامات تمتد إلى دول أمريكا الجنوبية

لم تقتصر جولة ثيل على الأرجنتين.

فقد التقى رئيس باراغواي سانتياغو بينيا (Santiago Peña)، وزار تشيلي والبرازيل، حيث أشارت المعلومات إلى اهتمامه المحتمل بفرص استثمارية في التعدين وأصول اقتصادية أخرى.

ولم يتضح ما إذا كان قد التقى الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست (José Antonio Kast) خلال زيارته.

وفي أوروغواي، اشترى ثيل عدة قطع أراضٍ داخل مجمع فاسانو لاس بيدراس (Fasano Las Piedras) الفاخر في منطقة مالدونادو.

وبدأت أعمال تشييد مسكن خاص يتمتع بدرجة عالية من الخصوصية والحماية، بتكلفة تقدر بنحو 10 ملايين دولار.

وتشير هذه التحركات إلى أن اهتمام ثيل يشمل منطقة أوسع من الأرجنتين، مع تركيز خاص على دول جنوب القارة الأمريكية.

مارتين فارشافسكي.. الأرجنتين بوصفها ملاذًا عالميًا

من الشخصيات التي تتقاطع مع هذا التوجه رجل الأعمال الأرجنتيني مارتين فارشافسكي (Martín Varsavsky)، الذي تربطه علاقة صداقة ببيتر ثيل، ويستثمر أيضًا في صندوق Founders Fund، أحد أبرز أدوات الاستثمار التابعة للملياردير الأمريكي.

وفارشافسكي رجل أعمال في قطاع التكنولوجيا أسس خمس شركات بلغت قيمة كل منها مستوى «يونيكورن»، أي تجاوزت قيمتها مليار دولار، في إسبانيا.

وكان قد غادر الأرجنتين إلى الولايات المتحدة خلال فترة الديكتاتورية العسكرية، قبل أن يصبح من الشخصيات المعروفة في عالم ريادة الأعمال والاستثمار التكنولوجي.

وفي السنوات الأخيرة، أعلن انتقاله الفكري نحو اليمين السياسي، وأصبح من المؤيدين للإصلاحات التي ينفذها خافيير ميلي.

ويمتلك فارشافسكي مزرعة كبيرة تحمل اسم واماني (Wamani) في مقاطعة مندوسا، صُممت لتكون مكانًا يمكن اللجوء إليه في حال وقوع كارثة عالمية أو حرب نووية.

ويرى أن الأرجنتين تتمتع بمزايا جغرافية واستراتيجية تجعلها مكانًا مناسبًا للعيش في عالم مضطرب، نظرًا إلى بعدها النسبي عن النزاعات الدولية الكبرى، وتوافر الموارد الغذائية، فضلًا عن الظروف السياسية التي يعتبرها مواتية حاليًا.

وقال إن عائلته عاشت تجربة الحرب العالمية الثانية بعيدًا عن مناطق الصراع، وإنه يرغب في توفير ظروف مماثلة لأسرته.

وأضاف أن الحكومة الأرجنتينية ينبغي أن تولي اهتمامًا أكبر لهذه الفرص الاستراتيجية، بدلًا من التركيز الحصري على المشكلات اليومية.

توقعات بنمو الاقتصاد الأرجنتيني حتى عام 2031

يبدي فارشافسكي تفاؤلًا واضحًا بمستقبل الأرجنتين، لكنه يربط هذا التفاؤل باستمرار ميلي في الحكم بعد انتخابات 2027.

وفي مقال نشره في صحيفة «إنفوباي»، توقع أنه في حال إعادة انتخاب الرئيس الحالي، فقد يصل الاقتصاد الأرجنتيني بحلول عام 2031 إلى حجم يزيد بنسبة تتراوح بين 22% و34% مقارنة بعام 2026.

وهذه الأرقام تمثل توقعات شخصية لرجل الأعمال، وليست نتائج اقتصادية مؤكدة.

وكان فارشافسكي قد اقترح سابقًا على الحكومة فرض ما سماه «تأشيرة الطمأنينة» على الأجانب الراغبين في القدوم إلى الأرجنتين، باعتبارها آلية لتنظيم دخول أعداد كبيرة من الأشخاص إذا ارتفع الطلب على الانتقال إلى البلاد بصورة مفاجئة.

وأوضح أن الفكرة لا تتعلق بالإقامة الدائمة، التي يعتبر الحصول عليها في الأرجنتين سهلًا نسبيًا، بل بإنشاء وسيلة تسمح باستقبال الوافدين بسرعة وكفاءة.

وشارك فارشافسكي مؤخرًا متحدثًا في فعالية «أسبوع الأرجنتين» (Argentina Week) التي نظمتها الحكومة في باريس.

وخلال الفعالية، أعلن مسؤولون أرجنتينيون مبادرة «الجنسية مقابل الاستثمار»، التي أثارت تساؤلات بشأن شروطها وآليات تطبيقها.

شركة ذكاء اصطناعي طبي تدخل السوق الأرجنتينية

إلى جانب اهتمامه بالعقارات والمشاريع الاستراتيجية، أطلق فارشافسكي استثمارًا جديدًا في قطاع التكنولوجيا الصحية من خلال شركة سيرتوما (Certuma)، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي السريري.

وقال إن هذه هي المرة الأولى التي يمتلك فيها شركة تعمل في الأرجنتين، مشيرًا إلى وجود كفاءات بشرية كبيرة في البلاد، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا.

وأضاف أن هذه القدرات كانت موجودة منذ سنوات، لكنه يرى أن الاستثمارات الجديدة أصبحت أكثر جذبًا في ظل سياسات ميلي.

وتهدف سيرتوما إلى معالجة واحدة من المشكلات الأساسية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، وهي احتمال إنتاج معلومات غير صحيحة أو توصيات لا تستند إلى حقائق طبية موثوقة، وهي الظاهرة المعروفة باسم «هلوسة الذكاء الاصطناعي».

وتعتمد الشركة على نظام يسمى MedCanon، يعمل بوصفه طبقة إضافية من الرقابة والتحقق، باستخدام قواعد سريرية وأشجار قرارات لمراجعة المقترحات التي تنتجها نماذج اللغة قبل وصولها إلى الطبيب.

وتقدم الشركة أيضًا نظام Certuma Copilot لمساعدة الأطباء أثناء الاستشارات، ونظام Certuma Link للتعامل مع استفسارات المرضى خارج العيادات، وإحالة الحالات التي تتطلب تدخلًا طبيًا إلى المختصين.

ويقوم نموذج الأعمال على تحصيل رسوم صغيرة عن كل استشارة تمر عبر أدوات الشركة.

أكثر من 200 بروتوكول طبي لضبط قرارات الذكاء الاصطناعي

يوضح المسؤول عن عمليات سيرتوما في أمريكا اللاتينية، برونو مارينو (Bruno Marino)، أن الشركة تعتمد نموذجًا هجينًا يجمع بين التفاعل الحواري مع المستخدمين وأنظمة قائمة على قواعد محددة.

وتستند هذه الأنظمة إلى أكثر من 200 بروتوكول طبي، بهدف تقليل احتمالات الأخطاء وتحسين موثوقية المخرجات.

وتعمل الشركة حاليًا في الأرجنتين وتشيلي، وتدرس التوسع إلى البرازيل والمكسيك.

وأكد مارينو وجود عدة مؤسسات طبية أرجنتينية تستخدم خدمات الشركة، لكنه امتنع عن الكشف عن أسمائها.

وفي مواجهة الجدل المتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات الطبية، شدد فارشافسكي على أن الشركة تقدم أدوات لمساعدة الأطباء، ولا تستهدف استبدالهم.

وقال إن أنظمة الشركة لا تصف الأدوية بصورة مستقلة.

لكنه اعتبر أن الجهات التنظيمية قد تسمح مستقبلًا للذكاء الاصطناعي باتخاذ بعض القرارات الطبية البسيطة في مجال الرعاية الأولية، بشرط إجراء التجارب السريرية اللازمة.

وأشار إلى أن الشركة بدأت بالفعل تجارب تتعلق باستشارات الطب عن بُعد، مع التركيز على الخدمات الأساسية، مثل إمكانية تجديد بعض الوصفات الطبية مستقبلًا.

وأكد أن بقية القرارات الطبية ستظل من اختصاص الأطباء.

عشرة ملايين دولار من صندوق مرتبط بدائرة بيتر ثيل

نجحت شركة سيرتوما في جمع 10 ملايين دولار خلال جولة تمويل أولية قادها صندوق الاستثمار 8VC، الذي أسسه المستثمر الأمريكي جو لونسديل (Joe Lonsdale).

ويُعد لونسديل من الشخصيات المرتبطة تاريخيًا بالدائرة الاستثمارية والتكنولوجية لبيتر ثيل.

فقد بدأ مسيرته متدربًا في شركة PayPal أثناء دراسته في جامعة ستانفورد، ثم عمل مسؤولًا تنفيذيًا في صندوق Clarium Capital التابع لثيل.

وفي عام 2004، شارك في تأسيس شركة Palantir، قبل أن يؤسس لاحقًا شركتي Addepar وOpenGov.

وفي عام 2015، أطلق صندوق 8VC، الذي نقل مقره عام 2020 إلى مدينة أوستن بولاية تكساس الأمريكية، وهي المدينة التي تأسست فيها سيرتوما.

ويستثمر الصندوق أيضًا في شركة Anduril، المتخصصة في تطوير أنظمة الأسلحة المستقلة، والتي ترتبط بدورها بالشبكة الاستثمارية المحيطة بثيل.

جو لونسديل ودائرة النفوذ السياسي في واشنطن

بحسب مجلة «فوربس»، يحتل جو لونسديل، إلى جانب بيتر ثيل، موقعًا مؤثرًا ضمن الدائرة السياسية والاقتصادية المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس.

ومع ذلك، لا يتبنى لونسديل جميع الأفكار الليبرتارية بصورة عقائدية.

ففي عام 2020، نشر مقالًا بعنوان «الليبرتارية مختلة وظيفيًا، لكن الحرية رائعة»، انتقد فيه بعض التيارات الليبرتارية الأمريكية، معتبرًا أنها تحولت إلى خطاب سياسي استعراضي ومعرقل للإصلاحات العملية.

لكن هذا الموقف لم يمنعه من إبداء تأييده لخافيير ميلي.

ففي يناير 2024، عقب مشاركة الرئيس الأرجنتيني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، نشر لونسديل مقتطفات من خطابه الذي حذر فيه من المخاطر التي تواجه العالم الغربي، وانتقد التجارب الاقتصادية الجماعية.

وأضاف انتقادات إلى المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة المؤسسية (ESG)، وسياسات التنوع والإنصاف والشمول (DEI)، فضلًا عن تدخل الدولة في مجالات مثل التعليم والرعاية الصحية.

وحظيت تعليقاته آنذاك بتأييد من الملياردير إيلون ماسك، الذي رد بكلمة واحدة تعني «صحيح».

وتكشف هذه الروابط عن وجود تقارب فكري وسياسي بين عدد من المستثمرين المؤثرين في قطاع التكنولوجيا الأمريكي والتجربة الاقتصادية التي يقودها ميلي.

مشروع مدينة ليبرتارية على ضفاف ريو دي لا بلاتا

يمتد هذا الاتجاه إلى أوروغواي، حيث يجري تطوير مشروع حضري يحمل اسم +Colonia، وهو مشروع مدينة ذكية بدأ عام 2022 بالقرب من نهر ريو دي لا بلاتا.

ويقود المشروع رجل الأعمال الأرجنتيني إدواردو باستيتا (Eduardo Bastitta)، الذي يعرّف نفسه بأنه ليبرتاري، وسبق أن شارك في المجلس الاستشاري الاقتصادي لخافيير ميلي.

ورغم وجود انتقادات وتساؤلات داخل أوروغواي بشأن المشروع، شهد سبتمبر الماضي إعلانًا جديدًا قد يغير حجمه وطبيعته.

فقد أعلن رجل الأعمال الأمريكي درايدن براون (Dryden Brown)، البالغ من العمر 30 عامًا، والذي يقود مشروع براكسيس (Praxis)، اختيار أوروغواي موقعًا لتنفيذ رؤيته المتعلقة بإنشاء مجتمع حضري جديد.

وقال براون لصحيفة «نيويورك تايمز» إن البحث عن الموقع المناسب انتهى، مؤكدًا: «اخترنا أوروغواي».

وكان قد درس سابقًا مواقع محتملة في منطقة البحر المتوسط وغرينلاند، وحتى قاعدة عسكرية في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وأعلن القائمون على المشروع خططًا لاستثمارات تصل إلى نحو مليار دولار، في خطوة رحب بها باستيتا.

كما التقى براون قبل أسابيع الرئيس الأوروغوياني ياماندو أورسي (Yamandú Orsi) في نيويورك.

براكسيس.. مشروع «أمة رقمية» باستخدام الذكاء الاصطناعي

تقدم براكسيس نفسها بوصفها «أمة رقمية» تسعى إلى تطوير أنظمة ثقافية واقتصادية وحوكمية جديدة.

وتضم شبكتها العالمية نحو 150 ألف عضو من الفنانين والباحثين ورواد الأعمال وغيرهم من المبدعين.

وكان المشروع مرتبطًا في بداياته بصورة أكبر بعالم العملات المشفرة، قبل أن يتحول اهتمامه الأساسي نحو الذكاء الاصطناعي.

ويروج القائمون عليه لفكرة استخدام التكنولوجيا لإنشاء مجتمعات جديدة ذات مؤسسات وأنماط تنظيم مختلفة عن النماذج التقليدية.

ويختصر المشروع فلسفته بعبارة: «منحت بيتكوين جيلنا عملته الخاصة، ونحن نستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء بلدنا الخاص».

لكن هذه الأفكار أثارت انتقادات من جهات ترى فيها نزعات نحو الإقطاع التكنولوجي أو نماذج حوكمة قد تتعارض مع المبادئ الديمقراطية التقليدية.

ومن بين المستثمرين في براكسيس بيتر ثيل، إلى جانب صندوق Apollo Projects المرتبط بـسام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI.

مساكن فاخرة ومجتمع جديد قرب بوينس آيرس

يتضمن مشروع براكسيس في أوروغواي تطوير مساكن خاصة ومجمع سياحي فاخر، مع التركيز على جذب رواد الأعمال والمبدعين والعاملين في القطاعات التكنولوجية.

ويروج المشروع لموقعه الجغرافي عبر شعار يبرز المساحات الطبيعية والساحل الطويل والقرب من العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، الواقعة على الضفة المقابلة للنهر.

كما تستلهم التصاميم المعمارية، وفق القائمين عليه، بعض عناصر العمارة العقلانية الإيطالية، بما في ذلك المساحات الواسعة والأعمدة والساحات الداخلية الهادئة.

ويَعِد المشروع بتوفير منح وفرص إقامة للفنانين ومؤسسي الشركات الناشئة.

وبحسب إدواردو باستيتا، تمثل استثمارات براكسيس نحو 20% من القيمة الإجمالية لمشروع +Colonia.

كما أبدى نحو 2700 عضو من مجتمع براكسيس، معظمهم من الأشخاص الذين يتنقلون باستمرار بين الدول، اهتمامًا بشراء عقارات في المشروع.

ومن المتوقع أن تبدأ عمليات شراء الأراضي المرتبطة ببراكسيس في أواخر عام 2027.

هل يمكن إنشاء مجتمع ليبرتاري خارج سلطة الدولة؟

أثارت طبيعة مشروع براكسيس تساؤلات قانونية وسياسية، خصوصًا في ظل الخطاب الذي يروج لفكرة الحرية الواسعة وإنشاء مجتمعات ذات أنظمة خاصة.

ولهذا، سارعت إدارة مشروع +Colonia إلى التأكيد أن المبادرة الجديدة ستعمل بالكامل ضمن النظام القانوني لجمهورية أوروغواي.

ويعني ذلك أن الحديث عن إنشاء مجتمع جديد لا يتضمن، وفق التوضيحات المعلنة، استقلالًا قانونيًا أو سياديًا عن الدولة الأوروغويانية.

وفي تصريحات لصحيفة «إنفوباي»، اعتبر باستيتا أن وصول براكسيس يمثل فرصة لتحويل منطقة ريو دي لا بلاتا إلى مركز للابتكار التكنولوجي في أمريكا الجنوبية.

وقارن طموحات المشروع بما مثلته مدينتا فلورنسا والبندقية في مراحل تاريخية سابقة، من حيث الإبداع الثقافي والتطور المؤسسي، أكثر من مقارنته بوادي السيليكون خلال طفرة الحوسبة.

بيتر ثيل.. الرابط المشترك بين الاستثمارات والمشاريع

عند النظر إلى هذه المبادرات مجتمعة، يبرز اسم بيتر ثيل بوصفه رابطًا متكررًا بين عدد من المستثمرين والمشاريع.

فهو مستثمر مباشر في قطاع الطاقة الأرجنتيني، وصديق لمارتين فارشافسكي، ويرتبط تاريخيًا بجو لونسديل، كما يُعد من المستثمرين في مشروع براكسيس.

وتجمع هذه الشبكة اهتمامات مشتركة بالتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاستثمارات طويلة الأجل، إلى جانب توجهات سياسية وفكرية متقاربة بدرجات متفاوتة.

لكن وجود هذه العلاقات لا يعني بالضرورة أن جميع المشاريع تخضع لإدارة موحدة، أو أن هناك خطة مشتركة مثبتة لتحويل الأرجنتين والمنطقة إلى مركز سياسي أو اقتصادي خاص بهذه النخبة.

بل تكشف الوقائع المتاحة عن شبكة من العلاقات الشخصية والاستثمارية والفكرية التي تتقاطع مع الاهتمام المتزايد بالتجربة الأرجنتينية.

بين الرهان الاقتصادي والإعجاب السياسي

تطرح هذه الظاهرة سؤالًا أساسيًا حول مستقبل الاستثمارات التي تستقطبها الأرجنتين في عهد خافيير ميلي.

فمن جهة، تظهر استثمارات فعلية، مثل شراء ثيل حصة في شركة فيستا إنيرجي، ودخول فارشافسكي قطاع الذكاء الاصطناعي الطبي، إلى جانب مشروعات عقارية وتكنولوجية يجري تطويرها في المنطقة.

ومن جهة أخرى، لا تزال بعض المبادرات في مراحل الإعلان والتخطيط، وتواجه تحديات تنظيمية ومالية وسياسية قد تؤثر في تنفيذها.

كما أن جزءًا من جاذبية الأرجنتين بالنسبة إلى هؤلاء المستثمرين يرتبط بوجود حكومة تتبنى توجهات اقتصادية قريبة من أفكارهم، وهو ما يثير تساؤلات بشأن استمرارية هذا الاهتمام في حال تغير المشهد السياسي.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، التي يراهن عدد من هؤلاء المستثمرين على فوز ميلي فيها بولاية جديدة.

وفي المحصلة، يبدو أن «تأثير بيتر ثيل» يتجاوز مجرد زيارة ملياردير أمريكي إلى بوينس آيرس، ليعكس اهتمامًا أوسع من شبكة نافذة في عالم التكنولوجيا والاستثمار بأمريكا الجنوبية.

غير أن الحكم على حجم هذه الظاهرة وتأثيرها الحقيقي سيعتمد على ما إذا كانت الاستثمارات والمشاريع المعلنة ستتحول إلى أنشطة اقتصادية ملموسة ومستدامة، أم أن المنطقة ستظل بالنسبة إلى بعض هؤلاء الأثرياء مجرد مساحة لاختبار أفكار سياسية وتكنولوجية جديدة، والبحث عن ملاذ في عالم متغير.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد
إعلانات
كتاب دليل الارجنتين عامود
نوار كتاو Nawar Chattaw
MWAFI
شاورما النبك 3
perteneser
نوتسياس لاتيناس