الأرجنتين بالعربي – خاص: يشهد سوق الائتمان في الأرجنتين تحولاً ملحوظاً مع التوسع السريع لشركات التكنولوجيا المالية Fintech، التي باتت تستحوذ على نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يحصلون على تمويل رسمي، في وقت تسجل فيه هذه القروض مبالغ أقل ومستويات تعثر أعلى مقارنة بالقطاع المصرفي التقليدي.
ويؤكد وزير الاقتصاد لويس كابوتو (Luis Caputo) أن ارتفاع معدلات التعثر في السداد جاء نتيجة التوسع في الائتمان وعودة البنوك إلى ممارسة دورها الأساسي في منح القروض، معتبراً أن بعض التمويلات التي مُنحت خلال هذه المرحلة كانت ذات جودة ائتمانية ضعيفة.
لكن البيانات تظهر أن جزءاً كبيراً من التوسع في الائتمان لم يأتِ من المصارف التقليدية، وإنما من شركات التكنولوجيا المالية التي تستهدف، في كثير من الحالات، أشخاصاً لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى التمويل المصرفي.
أكثر من 8 ملايين مستخدم لقروض الفنتك
وفقاً لبيانات معهد بوينس آيرس للتكنولوجيا (ITBA)، قفز عدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى الائتمان الرسمي خلال العامين الماضيين من نحو 16 مليوناً إلى أكثر من 21 مليون شخص.
لكن الجزء الأكبر من هذه الزيادة جاء من قطاع التكنولوجيا المالية، إذ ارتفع عدد مستخدمي شركات الفنتك الذين لديهم قرض واحد على الأقل من 3.7 ملايين إلى أكثر من 8 ملايين شخص.
وبذلك، أصبح ما يقارب 40% من الأشخاص الذين يحصلون على تمويل رسمي في الأرجنتين يعتمدون على هذه المنصات الرقمية، وغالباً ما تكون القروض الممنوحة من خلالها أقل قيمة وتستهدف شرائح ذات مخاطر ائتمانية أعلى من تلك التي تقبلها البنوك.
ما الفرق بين البنوك وشركات الفنتك؟
بحسب Fundación Mediterránea، ينقسم نظام الائتمان الرسمي في الأرجنتين بصورة أساسية إلى المؤسسات المالية التقليدية ومقدمي الائتمان غير الماليين.
وتشمل الفئة الأولى البنوك والشركات المالية وتعاونيات الائتمان، التي تستطيع استقبال ودائع الجمهور ومنح القروض تحت الرقابة المباشرة لـالبنك المركزي الأرجنتيني (BCRA)، مع خضوعها لمتطلبات تتعلق برأس المال والسيولة والاحتياطيات.
أما مقدمو الائتمان غير الماليين فيستخدمون أموالهم الخاصة للتمويل ولا يتلقون ودائع من الجمهور. ويعمل هؤلاء ضمن إطار تنظيمي مختلف وبمتطلبات احترازية أقل صرامة، رغم إلزامهم بالتسجيل لدى البنك المركزي.
وتندرج شركات الفنتك ضمن هذه الفئة، لكنها تتميز بنموذج رقمي بالكامل، إذ تتم عمليات طلب القرض والتحقق من هوية العميل وتقييمه ومنح التمويل وتحصيل الأقساط من خلال المنصات التكنولوجية.
كما تستخدم هذه الشركات نماذج مختلفة لتقييم المخاطر تأخذ في الاعتبار بيانات بديلة مثل حركة المعاملات المالية، وسداد الخدمات، والنشاط الرقمي للمستخدم.
وترى Fundación Mediterránea أن هذه الآليات لا تعني بالضرورة تخفيف معايير تقييم المخاطر، وإنما تسمح ببناء نماذج أكثر ديناميكية لتقييم أشخاص كانوا تاريخياً خارج النظام المصرفي.
الفنتك فتحت باب التمويل أمام شرائح مستبعدة
سمح انتشار هذه الشركات لشرائح واسعة بالوصول إلى التمويل الرسمي، بما في ذلك العاملون في الاقتصاد غير الرسمي، وأصحاب نظام Monotributo، والأشخاص الذين لا يملكون حسابات مصرفية نشطة، والمستخدمون الذين ليست لديهم سوابق ائتمانية مسجلة في قاعدة بيانات المدينين.
لكن هذا التوسع ترافق أيضاً مع زيادة ملحوظة في حالات عدم انتظام السداد.
ووفق بيانات ITBA، وصلت القروض المتعثرة أو غير المنتظمة إلى نحو 30% من إجمالي محفظة هذه القروض.
وعند تصنيف التعثر بحسب مدته، تبلغ نسبة ما يسمى بـ**«التعثر التشغيلي»**، أي التأخير في السداد لفترة تتراوح بين 30 و360 يوماً، نحو 23%.
وتشير البيانات إلى قدر من الاستقرار في هذه النسبة خلال الأشهر الأخيرة، مع تباطؤ وتيرة ارتفاعها منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، رغم استمرار ارتفاع إجمالي التعثر نتيجة تراكم قروض قديمة بات تحصيلها بالغ الصعوبة.
الحكومة ترفض التدخل لإنقاذ المدينين
على الرغم من ارتفاع معدلات التعثر والنقاش الدائر بشأن المشكلة، تتمسك حكومة الرئيس خافيير ميلي بموقفها الرافض لتدخل الدولة في العلاقة بين المقترضين والجهات المانحة للائتمان.
ويعتبر رئيس البنك المركزي سانتياغو باوسيلي (Santiago Bausili) أن التعثر مشكلة بين أطراف خاصة ولا ينبغي للدولة التدخل لحلها.
وقال باوسيلي إن السلطات ستتجنب الحلول التي تقوم على أخذ موارد من طرف بصورة تقديرية ومنحها لطرف آخر، لأن ذلك، بحسب رأيه، يولد ما يُعرف بـ«المخاطر الأخلاقية».
وأضاف أن تجارب تدخل الدولة في العلاقات بين الأطراف الخاصة غالباً ما تكون غير فعالة وتؤدي إلى نتائج غير مقصودة، مشيراً إلى أن المؤسسات المصرفية نفسها تفضل، بحسب قوله، عدم تدخل الحكومة في معالجة المشكلة.
لكن النقاش حول الديون اتسع في الأيام الأخيرة في ظل الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات التأخر عن السداد.
وحذر الاقتصادي والمستشار السابق للرئيس ميلي كارلوس رودريغيز (Carlos Rodríguez) من أن أي تدخل حكومي محتمل قد يُفسر على أنه اعتراف بفشل النموذج الليبرالي، وهو ما يمكن أن يترك تداعيات سياسية على الحكومة قبل انتخابات عام 2027.
ويرى رودريغيز أن التعافي الاقتصادي القوي، ولا سيما تحسن أوضاع المدينين، يمكن أن يساعد في استعادة قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم، لكنه وصف الوضع الحالي بأنه معقد بسبب التفاعل بين الركود والتعثر والتوقعات الاقتصادية، إضافة إلى الوضع في سوق الصرف.
الضرائب تزيد تكلفة القروض
إلى جانب المخاطر الائتمانية، تظهر الضرائب كعامل آخر يرفع تكلفة التمويل في الأرجنتين.
ويرى معهد IERAL التابع لـFundación Mediterránea أن ارتفاع التعثر لا يعود إلى وجود مستوى مفرط من الديون، خصوصاً أن الأرجنتين تمتلك واحداً من أصغر الأنظمة المالية في المنطقة، حيث تبلغ نسبة الائتمان إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 13% فقط.
ووفق شركة Econométrica، تضيف الضرائب، وخصوصاً ضريبة القيمة المضافة (IVA) وضريبة Ingresos Brutos، أكثر من 43 نقطة مئوية إلى التكلفة المالية السنوية الفعلية للقروض.
وبحسب تقديراتها، ترتفع التكلفة من نحو 79% إلى 122.7% سنوياً بعد احتساب العبء الضريبي.
وترى Econométrica أن خفض هذه الضرائب، أو إلغاء بعضها مع تأثير محدود على إيرادات الدولة، قد يساعد في تخفيف أزمة تعثر الأسر وتهيئة الظروف لدورة جديدة من التوسع في الائتمان والاستهلاك.
من جهته، يؤكد IERAL أن جزءاً مهماً من الفوائد التي يتحملها المقترض لا يعود إلى تكلفة توفير الأموال أو المخاطر المالية أو نفقات الوساطة المصرفية، وإنما إلى الضرائب المفروضة على الائتمان.
وتكشف هذه البيانات عن مفارقة في سوق التمويل الأرجنتيني: فقد نجحت التكنولوجيا المالية في إدخال ملايين الأشخاص الذين كانوا مستبعدين من النظام المصرفي إلى سوق الائتمان الرسمي، لكنها في الوقت نفسه وسعت التمويل باتجاه شرائح أكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد الضغوط على قدرة الأسر على السداد.






