من حماية الأطفال إلى هندسة الخراب الأسري: تلقين طفل قبل مثوله أمام المحكمة… ماذا تفعل الخدمة المحلية في ألبرتي؟

من حماية الأطفال إلى هندسة الخراب الأسري: تلقين طفل قبل مثوله أمام المحكمة… ماذا تفعل الخدمة المحلية في ألبرتي؟

من حماية الأطفال إلى هندسة الخراب الأسري: تلقين طفل قبل مثوله أمام المحكمة… ماذا تفعل الخدمة المحلية في ألبرتي؟

.

بقلم : د. عبد العزيز طارقجي

صحفي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الانسان

.

في لحظة يفترض أن تكون فيها مؤسسات الحماية الاجتماعية في الأرجنتين صمّام أمان لحماية الطفولة وصون الكرامة الإنسانية، نشهد – للأسف – كيف تنحرف بعض الأجهزة المحلية عن دورها الدستوري، لتتحول إلى أدوات تدخل قسري وتفكيك أسري.

ومن بين هذه الحالات، يبرز Servicio Local de Promoción y Protección de Derechos del Niño de Alberti، التابع لبلدية ألبرتي، كنموذج مقلق لانحراف السلطة الإدارية عن وظيفتها القانونية.

.

جلسة استماع… وتدخل سري مرفوض

بتاريخ يوم الغد، قررت محكمة الأسرة رقم 2 في مرسيدس الاستماع إلى طفلٍ عاد إلى كنف عائلته، وبدأت أسرته فعليًا في معالجة الأضرار النفسية والاجتماعية التي لحقت به خلال أشهر من التدخلات غير المتوازنة التي مارستها الخدمة المحلية في ألبرتي.

غير أن الخطير والمثير للقلق هو ما جرى في اليوم السابق للجلسة، حيث أقدمت الخدمة المحلية – دون علم أو موافقة الأسرة، ودون تفويض قضائي صريح – على عقد اجتماع مغلق وسري مع الطفل، في سياق يُفهم منه، وفق الوقائع، تلقينه ما يجب أن يقوله أمام المحكمة.

هذا السلوك، إن ثبت، لا يشكّل فقط مخالفة إجرائية، بل يمثل انتهاكًا جسيمًا لمبدأ حياد الإجراءات، ويقوّض جوهر حق الطفل في التعبير الحر عن رأيه دون ضغط أو توجيه، وهو ما يرقى إلى إيذاء نفسي ثانوي (revictimización) محرّم قانونًا.

.

خدمة محلية تدّعي الحماية وتمارس الضرر

لم تعد ممارسات Servicio Local de Alberti  مجرد أخطاء إدارية معزولة، بل باتت تعكس نمطًا متكررًا من التدخل القسري في الحياة الأسرية، تحت ذريعة “حماية حقوق الطفل”، بينما تشير الوقائع إلى نتائج عكسية:

تفكيك الروابط العائلية، زرع الخوف والعداء داخل الأطفال، وإقحام القاصرين في صراعات مؤسسية لا يفهمون أبعادها.

إن الأخطر في هذه الممارسات هو ادعاء العمل ضمن القانون، في حين يتم تجاوزه عمليًا، والتصرّف كما لو أن الجهاز الإداري فوق الرقابة القضائية والمساءلة.

.

الإطار القانوني المنتهَك

تشكل هذه الأفعال انتهاكًا مباشرًا لعدد من النصوص القانونية الوطنية والدولية، أبرزها:

على المستوى الوطني:

  • قانون 13.298 (مقاطعة بوينس آيرس):
    • المادة 14: تفرض الشفافية والتنسيق والمسؤولية المشتركة.
    • المادة 15: تشترط التعاون المؤسسي، لا التدخل التعسفي.
    • المادة 12: تقرّ بأن حقوق الأطفال من النظام العام وغير قابلة للتصرف.
    • المادة 33: توجب المراجعة الدورية لأي إجراء يمسّ القاصر.
  • قانون 26.061 (وطني):
    • المواد 33 و37: تلزم الدولة بمنع إساءة استخدام السلطة وحماية الأسرة من التدخل التعسفي.
  • قانون العقوبات الأرجنتيني:
    • المادتان 248 و249: تجرّمان إساءة استعمال السلطة وتقديم تقارير كاذبة للعدالة.

.

على المستوى الدولي:

تشكل هذه الوقائع خرقًا صريحًا لـ اتفاقية حقوق الطفل، المصادق عليها من الأرجنتين عام 1990، ولا سيما:

  • المادة 3: المصلحة الفضلى للطفل.
  • المادة 9: حظر الفصل التعسفي عن الأسرة.
  • المادة 12: الحق في التعبير الحر دون توجيه.
  • المادة 19: الحماية من الإيذاء الصادر عن السلطات نفسها..

.

انحراف مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل

إن مبدأ interés superior del niño لا يُستخدم كذريعة لتجاوز الأسرة، ولا لتبرير إجراءات غير خاضعة للرقابة القضائية.

تحويل هذا المبدأ إلى أداة سياسية أو إدارية يُفرغه من مضمونه، ويحوّله من ضمانة حماية إلى وسيلة قمع مقنّعة.

.

مسؤولية الدولة والبلدية

إن ما يجري في ألبرتي لا يمكن اعتباره شأنًا إداريًا داخليًا، بل هو مسؤولية مباشرة تقع على عاتق بلدية ألبرتي، والجهات الرقابية في المقاطعة، والسلطة القضائية في ضمان عدم تحوّل أجهزة الحماية إلى أدوات انتهاك.

غياب الردع لا يعني الشرعية، وتأجيل المساءلة لا يعني الإفلات منها.

.

خاتمة

هذه القضية لا تخصّ عائلة واحدة، بل تمسّ جوهر دولة القانون في الأرجنتين.

فحقوق الطفل لا تُحمى بتلقينه ما يقول، ولا بفصله عن أسرته دون ضرورة قصوى، ولا بزرع الخوف في وجدانه، بل تُحمى بصون كرامته، واحترام أسرته، وضمان أن يُسمَع بحرية تامة ودون ضغط.

كما تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948):

“يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق.”

وأي ممارسة تخالف هذا المبدأ، مهما كان غطاؤها، ليست حماية… بل انتهاكًا.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد