من هدفٍ لا يُنسى في شباك البرازيل إلى اليوم الذي أعلن فيه اعتزاله اللعب الدولي مع المنتخب: القصة الخاصة لميسي مع الملعب الذي يستضيف نهائي كأس العالم.

من هدفٍ لا يُنسى في شباك البرازيل إلى اليوم الذي أعلن فيه اعتزاله اللعب الدولي مع المنتخب: القصة الخاصة لميسي مع الملعب الذي يستضيف نهائي كأس العالم.

ما أبرز المحطات في مسيرة ليونيل ميسي مع المنتخب الأرجنتيني الأول قبل بدء سلسلة الألقاب التي انطلقت منذ كوبا أميركا 2021؟ قد تستحضر الإجابة التلقائية المرحلة التي عمل فيها تحت قيادة دييغو مارادونا مدرباً، أو النهائي الذي خسره أمام ألمانيا في كأس العالم 2014، لكن هناك واقعتين تركتا أثراً عميقاً في مسيرته مع منتخب الألبيسيليستي: المرة الوحيدة التي سجل فيها ثلاثة أهداف في شباك البرازيل، واليوم الذي أعلن فيه اعتزاله دولياً على الهواء مباشرة بعد خسارة كوبا أميركا 2016 بركلات الترجيح. وهاتان الواقعتان يرتبطان بخيط واحد، لأنهما حدثتا في المكان نفسه. هذا الأحد، يعود أفضل لاعب في العالم إلى ملعب ميتلايف في نيوجيرسي ضمن سياق مختلف تماماً، إذ سيحاول كسر لعنة عمرها 64 عاماً والتتويج بطلاً للعالم للمرة الثانية توالياً أمام إسبانيا.

الملعب الأميركي، الذي كان يُسمى سابقاً «نيو ميدولاندز ستاديوم»، يحمل سجلاً خاصاً يصب في مصلحة «البرغوث»: فهو لم يخسر فيه أبداً خلال الوقت الأصلي أو الإضافي. خاض على أرضه ست مباريات، حقق خلالها ثلاثة انتصارات وثلاثة تعادلات، وسجل أربعة أهداف.

وهو الناجي الوحيد من أول مباراة خاضها المنتخب في هذا الملعب، وكانت مباراة ودية انتهت بالتعادل السلبي أمام الولايات المتحدة في 8 يونيو/حزيران 2008. في ذلك اليوم، شارك في خط الهجوم إلى جانب خوليو كروز وسيرخيو أغويرو ضمن الفريق الذي كان يدربه ألفيو «كوكو» باسيلي. وعاد بعد نحو ثلاثة أعوام في تعادل آخر بنتيجة 1-1 تحت قيادة سيرخيو «تشيتشو» باتيستا.

ومع تولي أليخاندرو سابيلا المهمة، كانت زيارته التالية واحدة من أكثر العروض التي لا تُنسى خلال فترة «باتشورا» على رأس المنتخب الأرجنتيني. بعد التعادل الشهير 1-1 أمام بوليفيا في التصفيات، حقق المنتخب سلسلة من ثلاثة انتصارات متتالية، ووصل إلى تلك المباراة الودية أمام «السيليساو» وسط تحسن في الأداء تعزز بالفوز 4-3، بثلاثة أهداف سجلها نجم الفريق ورمزه.

بعد بداية هادئة، استغل ميسي واحدة من أولى الكرات التي لمسها عند الدقيقة 30، لينفرد بالحارس رافائيل كابرال ويسجل هدف التعادل المؤقت 1-1 في الولايات المتحدة. وبعد 180 ثانية، وجد نفسه مرة أخرى وجهاً لوجه مع الحارس، فمد الكرة متجاوزاً إياه، وسدد في المرمى الخالي ليقلب نتيجة اللقاء. لكن جميع الأضواء ذهبت إلى تحفته الأخيرة.

كانت الدقيقة 38 من الشوط الثاني، والنتيجة تشير إلى التعادل 3-3، عندما أخرج صاحب الرقم 10 سحره. تخلص من رقابة أحد المنافسين في منتصف الملعب، وانطلق بسرعة كبيرة حتى مشارف منطقة الجزاء. وفي تلك اللحظات، استفاد من أن دفاع الخصم لم يخرج للضغط عليه، بل واصل التراجع، ما سمح له بالمراوغة نحو قدمه المفضلة بالقرب من قوس منطقة الجزاء، قبل أن يطلق تسديدة يسارية استقرت في الزاوية العليا. كانت تلك المباراة نقطة تحول في مسيرة ليو مع منتخب سابيلا. قبلها، كان قد سجل 23 هدفاً بقميص المنتخب. ومنذ ذلك اللقاء وحتى كأس العالم 2014، أضاف 19 هدفاً.

الخسارة في النهائي أمام ألمانيا ورحيل «باتشورا» أطلقا مرحلة انتقالية في الأرجنتين بقيادة خيراردو «تاتا» مارتينو، لكن الخسارتين المتتاليتين في نهائيي كوبا أميركا 2015 و2016 أمام تشيلي أنهكتا جيلاً من اللاعبين من الطراز الأول. وعلى وجه الخصوص، تركت الخسارة الأخيرة في ملعب ميتلايف جرحاً عميقاً داخل صفوف الفريق. بدا أن الفرصة قد حانت أخيراً، بعدما لعب منتخب «لا روخا» بعشرة لاعبين إثر طرد مارسيلو دياز، لكن ماركوس روخو حصل بدوره على بطاقة حمراء في الشوط الأول. وفي ركلات الترجيح، تولى ليونيل ميسي تنفيذ الركلة الأولى للأرجنتين. كان أرتورو فيدال قد أهدر ركلته، وكان بإمكان ليو منح التقدم لمنتخب السماء والأبيض، لكنه أرسل الكرة فوق العارضة. وما تلا ذلك أصبح معروفاً.

في الساعات الأولى من صباح 27 يونيو/حزيران، أعلن ميسي رحيله عن المنتخب: «أول ما يخطر في بالي، وما كنت أفكر فيه للتو داخل غرفة الملابس، هو أن الأمر انتهى، وأن المنتخب انتهى بالنسبة لي. إنها أربعة نهائيات، وهذا ليس من نصيبي. سعيت إليه، وكان أكثر ما أتمناه. لم أتمكن من تحقيقه، لكنني أعتقد أن الأمر انتهى. أعتقد أن القرار قد اتُّخذ. هذا ما أشعر به الآن. إنه حزن كبير لما حدث لنا مرة أخرى. وفوق ذلك، جاء دوري لأهدر ركلة الجزاء. كانت مهمة جداً لصنع الفارق. اليوم جاء دوري لأهدر، وانتهى الأمر».

وأضاف مكرراً: «أعتقد أن هذا من أجل مصلحة الجميع… أولاً من أجلي، ثم من أجل الجميع. أعتقد أن هناك كثيرين يرغبون في ذلك. لم يعد الناس يكتفون بالوصول إلى النهائيات وعدم الفوز بها، ونحن أيضاً لا نكتفي بذلك. خسرنا مرة أخرى بركلات الترجيح. أعتقد أن القرار قد اتُّخذ». وبمعنويات منهارة، بدا ابن مدينة روساريو مهزوماً أمام الموقف: «انتهى الأمر، لقد حاولت كثيراً. يؤلمني أكثر من أي شخص آخر ألا أتمكن من أن أصبح بطلاً مع الأرجنتين، لكن هكذا هي الأمور. لم يحدث ذلك، وللأسف أرحل من دون أن أتمكن من تحقيقه».

وفي ضوء الحاضر، اكتسبت إحدى عباراته معنى مختلفاً، وتحولت إلى صورة ساخرة شهيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وإلى مزحة متداولة في أحاديث مختلفة: «إنه أمر لا يُصدق، لكنه لا يحدث معي». لكن في ذلك الوقت، بدت العبارة وكأنها نبرة وداع. وهكذا أنهى ميسي حديثه مع قناة «TyC Sports»: «من الصعب إجراء تحليل الآن. من الواضح أن الأمور يجب أن تكون هكذا. حدث لنا ذلك مجدداً اليوم، ومرة أخرى بركلات الترجيح. إنها أربعة نهائيات خسرناها، ثلاثة منها متتالية. الحقيقة أنها خسارة مؤسفة، وربما يجب أن تكون الأمور هكذا. لا يتحقق الأمر، حاولنا وسعينا إليه. انتهى». أما النهائي الآخر الذي أشار إليه، فكان الخسارة 0-3 أمام البرازيل في ماراكايبو في نهائي كوبا أميركا 2007.

إدغاردو باوزا، الذي تولى قيادة المنتخب الأرجنتيني خلفاً لمارتينو، أجرى محادثة مع النجم محاولاً إقناعه بالتراجع عن قراره. وفي 12 أغسطس/آب 2016، تأكدت عودته عبر بيان صادر عن صاحب الرقم 10 جاء فيه: «خطرت في بالي أشياء كثيرة يوم النهائي الأخير، وفكرت جدياً في الرحيل، لكنني أحب بلدي وهذا القميص كثيراً. أشكر جميع الأشخاص الذين يريدون مني الاستمرار في اللعب مع الأرجنتين، ونأمل أن نتمكن من منحهم فرحة قريباً».

أُقيل «إل باتون» قبل كأس العالم 2018، وانتهت المرحلة المضطربة بقيادة خورخي سامباولي بالخسارة 4-3 أمام فرنسا في دور الـ16. أما خليفته ليونيل سكالوني، فتولى المهمة بصورة مؤقتة في البداية. وروى «إل غرينغو» أنه كان يدرك أنه لن يستدعي صاحب الرقم 10 في قائمته الأولى، لكنه تحدث عن الخطوة التي قام بها إلى جانب مساعده بابلو أيمار: «أول شيء قمنا به عند إعداد تلك القائمة هو الاتصال به وإبلاغه بالموقف، لأنني أعتقد أنه كان يستحق أن يعرف، فهو القائد».

وأضاف، بحسب ما نقلته شبكة ESPN: «شعر بالسعادة وبدأ يضحك، لأن الأمر كان لافتاً بطبيعة الحال، وكانت لحظة لم يكن يتوقع فيها بصراحة أن نتولى نحن المسؤولية، لكننا أخبرناه بكل بساطة: “سنتولى قيادة هاتين المباراتين، ثم سنرى ما سيحدث، لكننا نحتاج إلى أن تكون على علم، والفكرة هي استدعاء أكبر عدد ممكن من اللاعبين الشباب ومنحهم فرصة ارتداء قميص المنتخب”، لأن هناك ست مباريات، وبعدها يتخذ المدرب الذي سيأتي قراره بناءً على ما شاهده. كان كل شيء واضحاً وطبيعياً. دعمنا وتمنى لنا التوفيق، ولذلك كانت لحظة لا تُنسى».

جمعت مسارات الحياة بين ليونيل ميسي وملعب ميتلايف في مناسبتين إضافيتين، قبل اللقاء الثالث الذي سيقام هذا الأحد أمام إسبانيا. وقد جاء اللقاءان ضمن منافسات كوبا أميركا 2024. بعد التتويج بنسخة 2021 ورفع كأس العالم في 2022، دافع فريق سكالوني عن لقبه القاري، وفي زيارته إلى الملعب فاز 1-0 على تشيلي في الجولة الثانية من المجموعة الأولى، بفضل الهدف الوحيد الذي سجله لاوتارو مارتينيز. ثم عاد إلى الملعب لخوض مواجهة نصف النهائي، حيث فاز 2-0 على كندا بهدفين سجلهما خوليان ألفاريز وميسي نفسه.

والآن، ستخوض الأرجنتين وإسبانيا نهائياً عالي الإثارة لتحديد بطل كأس العالم 2026، في الملعب نفسه الذي تجرأ فيه أحد أفضل اللاعبين في التاريخ على القول إن الأمر انتهى قبل عقد من الزمن. لكن حبه لقميص السماء والأبيض كان أقوى، وها هو في سن 39 عاماً سيحاول كتابة صفحة ذهبية جديدة في مسيرة لا تُنسى.

جميع مباريات ليونيل ميسي في ملعب ميتلايف

08/06/2008: الأرجنتين 0-0 الولايات المتحدة — مباراة ودية

26/03/2011: الأرجنتين 1-1 الولايات المتحدة — مباراة ودية

09/06/2012: الأرجنتين 4-3 البرازيل — مباراة ودية

26/06/2016: الأرجنتين 0-0 تشيلي، ثم الخسارة 2-4 بركلات الترجيح — نهائي كوبا أميركا

25/06/2024: الأرجنتين 1-0 تشيلي — دور المجموعات، المجموعة الأولى، كوبا أميركا

09/07/2024: الأرجنتين 2-0 كندا — نصف نهائي كوبا أميركا

المصدر: ESPN

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد