من الحصانة إلى المساءلة: الكونغرس الأرجنتيني يكسر جدار الإفلات من العقاب ويُحيل قانون خفض سن المسؤولية الجنائية إلى مجلس الشيوخ

من الحصانة إلى المساءلة: الكونغرس الأرجنتيني يكسر جدار الإفلات من العقاب ويُحيل قانون خفض سن المسؤولية الجنائية إلى مجلس الشيوخ

بقلم: د. عبد العزيز طارقجي

صحفي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان

.

في خطوة تشريعية مفصلية طال انتظارها، صوّت الكونغرس الأرجنتيني – مجلس النواب – يوم أمس بالموافقة على خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 14 سنة، مانحًا المشروع ما يُعرف بـ”نصف العقوبة التشريعية ” (media sanción)، في قرار يعكس حجم الضغط المجتمعي والأمني المتراكم نتيجة تفشّي الجريمة وتآكل ثقة المواطنين بمفهوم العدالة. وبموجب هذا التصويت، أُحيل المشروع رسميًا إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار الدستوري نحو الإقرار النهائي.

هذا القرار لا يُعد مجرد تعديل تقني في نص قانوني، بل يشكّل تحولًا جذريًا في فلسفة العدالة الجنائية في الأرجنتين، ويضع حدًا لسياسات سمحت، لسنوات طويلة، بعدم توقيف قاصرين تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عامًا، بل وحتى دون سن الثامنة عشرة، رغم تورطهم في أعمال سرقة واعتداءات متكررة طالت مواطنين في مختلف أنحاء البلاد. وقد جرى تبرير هذا الواقع، في كثير من الأحيان، بخطاب سياسي مُلبّس يختبئ خلف شعار “حقوق الطفل”، ويُستخدم بصورة انتقائية لتفريغ مبدأ المساءلة من مضمونه، الأمر الذي أسهم عمليًا في ترسيخ الإفلات من العقاب بدلًا من حماية المجتمع أو إنصاف الضحايا.

إن بعض القوى السياسية والاجتماعية، التي تدّعي الدفاع عن حقوق الطفل، اختارت تحويل قضايا الطفولة إلى أداة للمزايدة الأيديولوجية، متجاهلة أن حقوق الطفل لا تعني إطلاق سراح الجناة ولا تعطيل يد العدالة، بل تقتضي موازنة دقيقة بين ضمانات القاصر وحق الضحية في الأمن والإنصاف. والنتيجة كانت واضحة: مجرمون بلا مساءلة، وضحايا بلا عدالة، وقانون يُفرَّغ من هيبته تحت عناوين إنسانية زائفة.

.

من النواب إلى الشيوخ: كيف تمضي الآلية التشريعية؟

وفق الآلية الدستورية المعتمدة في الأرجنتين، ينتقل مشروع القانون، بعد نيله “نصف العقوبة التشريعية” في مجلس النواب، إلى مجلس الشيوخ حيث يُحال أولًا إلى اللجان المختصة لمناقشته من حيث الصياغة والضمانات القانونية، قبل أن يُعرض على الجلسة العامة للتصويت.

وفي حال إقراره من دون تعديلات، يُصبح قانونًا نافذًا بعد نشره رسميًا في الجريدة الرسمية.

أما إذا أُدخلت عليه تعديلات، فيُعاد إلى مجلس النواب لمراجعتها والموافقة عليها.

ومع ذلك، يبقى الثابت أن القرار السياسي الأساسي قد اتُّخذ، وأن مبدأ خفض سن المسؤولية الجنائية لم يعد محل جدل، بل بات النقاش محصورًا في آليات التطبيق وحدودها وضماناتها.

.

خفض السن ليس انتهاكًا لحقوق الإنسان… بل تصحيح لمسار العدالة

من الضروري تفكيك الخطاب المضلّل الذي سعى إلى تصوير خفض سن المسؤولية الجنائية وكأنه انتهاك لحقوق الطفل، في حين أن هذا الطرح يتناقض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي.

فالشرعة العالمية لحقوق الإنسان، كما سائر الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لا تمنح حصانة جنائية للمجرمين، لا للبالغين ولا للقاصرين، بل تؤكد على مبدأ المساءلة ضمن إطار قانوني عادل.

القاعدة الجوهرية في منظومة حقوق الإنسان واضحة ولا تحتمل التأويل: حقوق الإنسان وُجدت لحماية الفرد من التعسف والظلم، لا لتأمين الإفلات من المحاسبة.

وحتى اتفاقية حقوق الطفل، التي يُستشهد بها مرارًا في هذا الجدل، تنص صراحة على حق الطفل في إجراءات قضائية عادلة ومعاملة تراعي سنّه ونموّه، لكنها لا تتضمن، في أي من موادها، مبدأً يشرعن الإفلات من العقاب أو يبرر تعطيل العدالة. فالعدالة الجنائية للأحداث لا تعني إنكار الجريمة أو تذويب مسؤولية الجاني، بل تقوم على محاسبة تتناسب مع العمر ومستوى الإدراك، من دون إلغاء حق الضحية في الإنصاف، ومن دون تحويل القاصر إلى أداة تُستغل من قبل شبكات إجرامية مطمئنة إلى غياب الردع والعقاب.

.

ماذا تقول التجارب الديمقراطية؟ الأرجنتين ليست استثناءً

الأرجنتين، بهذا القرار، لا تبتدع سابقة، بل تلتحق بركب دول ديمقراطية راسخة سبقتها منذ عقود، منها:

  • ألمانيا: سن المسؤولية الجنائية 14 سنة، مع نظام عدالة أحداث صارم وتأهيلي
  • فرنسا: مسؤولية جزئية تبدأ من 13 سنة وفق مبدأ الإدراك
  • هولندا: 12 سنة مع تقييم فردي للنضج العقلي
  • كندا: 12 سنة ضمن قانون خاص بالأحداث
  • اليابان: 14 سنة مع معدلات جريمة منخفضة وإصلاح فعّال
  • المملكة المتحدة: 10 سنوات، رغم الجدل الحقوقي المستمر

هذه الدول لم تُصنّف يومًا كـ”منتهِكة لحقوق الإنسان”، بل تُعد مرجعيات دولية في سيادة القانون واستقلال القضاء.

والفارق الجوهري لا يكمن في الأرقام أو الأعمار، بل في فلسفة العدالة ذاتها، حيث تُقدَّم حماية الضحايا على أي اعتبارات أيديولوجية، وتُرفض تبرير الجريمة أو تعطيل المحاسبة تحت أي مسمّى سياسي أو إنساني زائف.

.

الضحايا أولًا: الحق المنسي في خطاب “حقوق الإنسان الانتقائي

إن التركيز المتكرر على ما يُسمّى “حقوق القاصرين” غالبًا ما يتم على حساب الطرف الأكثر تضررًا في المعادلة الجنائية، أي الضحايا، الذين يُغيَّب حضورهم في كثير من الخطابات السياسية والإعلامية الانتقائية. فالشرعة العالمية لحقوق الإنسان، كما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يضعان في صلب مبادئهما الحق في الحياة، والحق في الأمن الشخصي، والحق في الحماية من العنف، والحق في الوصول إلى العدالة الفعّالة.

وهذه الحقوق تُنتهك بصورة مباشرة عندما يُطلق سراح الجاني دون مساءلة لمجرد كونه قاصرًا، فيتحول القانون من أداة حماية إلى عامل تقويض لحقوق الضحايا.

إن حماية المجتمع، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا، لا تتحقق عبر توسيع دوائر الحصانة أو تبرير الإفلات من العقاب، بل تبدأ من ترسيخ مبدأ المساءلة القانونية بوصفه حجر الأساس في أي نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان بمعناها الشامل، لا الانتقائي ولا المسَيَّس.

.

عن التصويت الرافض: موقف سياسي لا حقوقي

إن كل من صوّت ضد هذا القرار يملك، بلا شك، حق الاختلاف السياسي ضمن النظام الديمقراطي، لكن ما لا يملكه هو الادعاء الأخلاقي أو الحقوقي بتمثيل مبادئ حقوق الإنسان. فحقوق الإنسان، كما نصّ عليها الدستور الأرجنتيني والشرعة العالمية لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا تقوم على تعطيل العدالة ولا على توفير مظلة حصانة للجناة، بل على حماية المجتمع وضمان حق الضحايا في الحياة والأمن والإنصاف القضائي.

إن الخوف من تحمّل المسؤولية، أو الحسابات الحزبية الضيقة، أو الاستثمار السياسي في شعارات فضفاضة مثل “حقوق الطفل” أو “حقوق المرأة”، لا يمكن أن يسمو قانونًا ولا أخلاقيًا على واجب الدولة في حماية مواطنيها. فالدستور الأرجنتيني، ولا سيما المبادئ الدستورية المرتبطة بالحق في الأمن الشخصي والوصول إلى العدالة وسيادة القانون، يُلزم السلطات العامة باتخاذ التدابير اللازمة لمنع الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، لا بتبرير الإفلات من العقاب أو تكريسه تحت أي ذريعة أيديولوجية.

كما أن القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يشكّل جزءًا من المنظومة القانونية الأرجنتينية، يقرّ بوضوح بأن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ولا يجوز استخدامها بصورة انتقائية أو توظيفها كدرع لحماية الجناة على حساب الضحايا. إن إنكار حق الضحية في العدالة، أو التقليل من شأن معاناتها بحجة عمر الجاني، يشكّل انتهاكًا صريحًا لجوهر حقوق الإنسان ولمبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ أساسي في أي نظام ديمقراطي حقيقي.

وعليه، فإن رفض خفض سن المسؤولية الجنائية، من دون تقديم بديل فعلي يحمي المجتمع ويضمن المساءلة، لا يمكن قراءته إلا كموقف سياسي منفصل عن روح حقوق الإنسان، ومتناقض مع القيم الديمقراطية التي تقوم على سيادة القانون، وحماية الضحايا، ومحاسبة كل من يرتكب جريمة، أياً كان عمره، ضمن إطار قانوني عادل ومتوازن.

.

في الختام: آن الأوان لوقف المتاجرة بالحقوق

نعم ، آن الأوان لوضع حدٍّ للمتاجرة السياسية والانتقائية بخطاب الحقوق، ولا سيما حين يُستدعى اسم حقوق الطفل أو حقوق المرأة أو العدالة الاجتماعية لتبرير تعطيل المساءلة الجنائية وتقويض مبدأ سيادة القانون. إن الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، وسائر المواثيق الدولية، لم تُنشأ لتوفير حصانات مقنّعة أو لتكريس الإفلات من العقاب، بل لتأكيد المبدأ الأسمى الذي يقوم عليه أي نظام ديمقراطي سليم، وهو أن القانون فوق الجميع، دون استثناء ودون امتيازات مبطّنة.

إن خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 14 سنة لا يمثّل تراجعًا عن حقوق الإنسان ولا فعلًا انتقاميًا، بل يشكّل تصحيحًا قانونيًا يعيد التوازن بين الحقوق والواجبات، ويُوفّق بين حماية القاصر ومحاسبة الجاني، وبين إنصاف الضحية وصون أمن المجتمع. وما أقرّه الكونغرس الأرجنتيني في هذا السياق لا يُعد خروجًا عن مبادئ حقوق الإنسان، بل عودة صريحة إلى جوهرها الحقيقي.

واليوم، تنتقل المسؤولية إلى مجلس الشيوخ، حيث تصبح المسألة اختبارًا فعليًا لمدى الالتزام بدولة القانون. فإما تكريس مسار العدالة والمساءلة، أو الإبقاء على ثغرة قانونية كلّفت الأرجنتين، لسنوات طويلة، ثمنًا باهظًا من أمن مواطنيها ودماء ضحاياها وآلامهم.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد