توقيع اتفاقية جديدة بين الولايات المتحدة والأرجنتين

توقيع اتفاقية جديدة بين الولايات المتحدة والأرجنتين

في 5  فبراير/شباط 2026 جرى توقيع اتفاقية جديدة بين الولايات المتحدة والأرجنتين تحت اسم اتفاقية التجارة والاستثمار المتبادلة (ARTI)، ووقّعها رسميًا وزير الخارجية والتجارة الدولية والعبادة الأرجنتيني بابلو كويرنو (Pablo Quirno) مع الممثل التجاري للولايات المتحدة السفير جاميسون غرير (Jamieson Greer) .

ووفق البيانات المتطابقة في المصادر الأميركية والأرجنتينية، تمّت مراسم التوقيع في واشنطن.

1 – السياق السياسي والاقتصادي للتوقيع

تأتي الاتفاقية كترجمة عملية لتقارب سياسي واضح بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وتُقدَّم من الطرفين على أنها جزء من “شراكة أعمق” تمزج بين الاقتصاد واعتبارات الأمن القومي وسلاسل الإمداد.

الممثل التجاري الأميركي اعتبرها نموذجًا “لتعزيز الطموحات المشتركة وحماية الأمن الاقتصادي والوطني” في نصف الكرة الغربي.

بالتوازي، يبرز بُعدٌ حساس في الخلفية الأميركية: الجدل السياسي حول دعم مالي/تسهيلات مرتبطة بالأرجنتين، وهو ما ظهر عبر انتقادات داخل واشنطن (مثل رسالة السناتور إليزابيث وارن لوزارة الخزانة) على خلفية سياسات الدعم أو خطوط الائتمان/المساندة، ما يجعل الاتفاقية موضوعًا اقتصاديًا وسياسيًا داخليًا في الولايات المتحدة أيضًا.

2 – ما الذي تم توقيعه بالضبط  “إطار” يتحول إلى نص مُلزم

الاتفاق الجديد هو النسخة الموقّعة والمُعلنة لاتفاقٍ كان قد طُرح كـإطار تفاهم سابقًا، ثم جرى إخراج “نصه النهائي” وجدوله التعريفي (التعرفة والتعريفة) وإحالتهما كمرجعية للتنفيذ.

هذا مهم لأن النقاش في الأرجنتين (لدى الحكومة والقطاع الخاص معًا) يدور بقوة حول الحرف الصغير :  ما الذي يُطبق فورًا، وما الذي يأتي على مراحل، وأين توجد الاستثناءات والقيود.

3 – جوهر الاتفاقية: فتح الأسواق عبر الرسوم والحواجز غير الجمركية

أ- الرسوم الجمركية والحصص

وفق ما أُعلن رسميًا:

  • الولايات المتحدة ستُزيل الرسوم (أو التعريفات المتبادلة) عن 1,675 منتجًا أرجنتينيًا مع حديث أرجنتيني عن أثرٍ محتمل على عوائد الصادرات.
  • الأرجنتين ستُلغي الرسوم على 221 بندًا و موضعًا تعريفيًا تشمل، بحسب الصياغات المتداولة، معدات وآلات ومواد نقل وأجهزة طبية وكيميائيات، وتُخفض رسومًا إلى 2% على نحو 20 بندًا (غالبيتها قطع سيارات)، مع اعتماد حصص وكوتا لسلع “حساسة” مثل المركبات واللحوم ومنتجات زراعية.

ومن نقاط الجذب سياسيًا واقتصاديًا: اللحوم البقرية. القطاع التصديري الأرجنتيني كونسورتيوم تحدث عن توسّع ملموس في إمكانية النفاذ للسوق الأميركية، وربط ذلك بإمكان زيادة العائدات في 2026.

ب – إلغاء وأتمتة رخص الاستيراد في الأرجنتين

الاتفاقية تضغط باتجاه تفكيك واحد من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الأرجنتيني: رخص الاستيراد.

النص المنشور يشير إلى التزام الأرجنتين بإلغاء رخص الاستيراد أو تطبيق رخص “تلقائية على السلع ذات المنشأ الأميركي.

ج- المعايير الفنية والرقابية: الاعتراف بمعايير الطرف الآخر

هذه من أكثر المواد إثارة للنقاش لأنها تمس “السيادة التنظيمية” عمليًا.

الاتفاق يتيح دخول سلع أميركية إلى الأرجنتين إذا كانت مطابقة للمعايير الأميركية أو الدولية ذات الصلة، من دون فرض متطلبات إضافية لتقييم المطابقة، مع معاملة جهات تقييم المطابقة الأميركية بمعاملة لا تقل عن المحلية، وتسهيل قبول إجراءات الامتثال الأميركية.

4 – الزراعة والصحة النباتية والحيوانية: فتح تدريجي وتقييد للذرائع

ينص المسار الزراعي على أن التدابير الصحية والصحة النباتية (SPS/MSF) يجب أن تقوم على أسس علمية وتقييم مخاطر وألا تتحول إلى قيود “مقنّعة” على التجارة.

كما تظهر التزامات لتسهيل صادرات اللحوم الأميركية (خصوصًا تبسيط إجراءات الأبقار والخنازير والدواجن، مع ذكر فتح سوق الدواجن خلال عام).

 

5 – الملكية الفكرية: نقطة ارتكاز للشركات الدوائية والتكنولوجية

في ردود الفعل، برز ترحيب واضح من غرفة الصناعات الدوائية والتخصصات الطبية (CAEMe)  التي شددت على أهمية بيئة “واضحة وشفافة وقابلة للتنبؤ”، وعلى مركزية تبني معايير دولية في الملكية الفكرية باعتبارها محركًا للاستثمار ونقل التكنولوجيا.

كما يظهر في تفاصيل الاتفاق (بحسب العرض الصحفي والتحليلات) تشددٌ تجاه حماية الحقوق والعلامات والبراءات، وهو ما يراه منتقدون كلفةً تنظيمية تُرجّح كفة شركات أميركية كبيرة.

6 – التجارة الرقمية والبيانات: “لا ضرائب رقمية” وتسهيل تدفق البيانات

الشق الرقمي واضح: التزام بعدم فرض رسوم جمركية على تدفقات البيانات عبر الحدود، وعدم سن ضريبة خدمات رقمية تستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية، إضافة إلى ضمان اليقين القانوني لنقل البيانات الشخصية إلى الولايات المتحدة عبر الاعتراف بملاءمة الحماية، وتطوير التعاون ضمن أطر قواعد الخصوصية عبر الحدود، والاعتراف بصيغ محددة من التوقيع الإلكتروني.

7 – المعادن الحرجة: بعدٌ استراتيجي يتجاوز التجارة التقليدية

ضمن البنود الأكثر “جيواقتصادية”، يُذكر التزام الأرجنتين بالعمل مع الحكومات الإقليمية لتسهيل استثمارات الشركات الأميركية في الليثيوم والنحاس ومعادن حرجة أخرى، مع نية إعطاء الولايات المتحدة أولوية كشريك تجاري واستثماري على حساب “اقتصادات وشركات تتلاعب بالسوق” (صياغة تُفهم سياسيًا في سياق تقليص الاعتماد على الصين دون تسميتها صراحة في بعض النصوص).

كما يرد ربطٌ بتسريع مسارات مشاريع ضمن نظام حوافز الاستثمارات الكبيرة (RIGI) وتطوير بنى تحتية مرتبطة بالقطاع.

8 – مكافحة الإغراق، السلع المستعملة، والعمل القسري: مواد “تقنية” لكنها مؤثرة

  • مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية: النص يشير إلى توسيع التعاون وتبادل المعلومات بشأن إجراءات مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية والتحايل.
  • السلع المستعملة والمعاد تصنيعها:  تبرز مادة تتعلق بتخفيف/استثناءات على قيود استيراد بعض السلع الرأسمالية المستعملة (معدات بناء وزراعة وتعدين وأجهزة طبية) وتوسيع النفاذ للسلع “المعاد تصنيعها”.
  • العمل: يتضمن توجهًا لالتزامات فعّالة لمنع استيراد سلع مرتبطة بالعمل القسري، بالإحالة إلى تعريفات وأطر منظمة العمل الدولية.

9 – ردود الفعل داخل الأرجنتين: ترحيب واسع

القطاع الخاص استقبل الاتفاقية بإيجابية عامة، لكن مع لازمة مشتركة: “التفاصيل تحتاج وقتًا”. أبرز المواقف:

  • غرفة التجارة والخدمات (CAC) اعتبرتها خطوة لإعادة إدماج الأرجنتين عالميًا، ورئيسها ناتاليو غرينمان قال إن تقييمًا تفصيليًا يحتاج وقتًا قبل إصدار حكم نهائي.
  • الجمعية الريفية الأرجنتينية (SRA) رحبت وركّزت على ضرورة “شروط منافسة عادلة” وإصلاحات داخلية لرفع تنافسية القطاع للاستفادة من الفرص.
  • CAEMe  كما سبق، احتفت بالشق التنظيمي والملكية الفكرية بوصفه رافعًا للابتكار والاستثمار.
  • Consorcio ABC  (مصدّرو اللحوم) اعتبر التحسن في النفاذ للسوق الأميركية “جوهر المكسب”، وقدّم أرقامًا عن صادرات 2025 وآفاق 2026 في ضوء الحصص الجديدة.

10 – ردود الفعل السياسية والجدل المتوقع: البرلمان الأرجنتيني والقطاعات الحساسة

على المستوى السياسي الداخلي الأرجنتيني، الحكومة قدّمت الاتفاق كـ“عودة للأفق الغربي” وكنقطة ارتكاز في استراتيجية الانفتاح وإعادة التموضع، وأشارت إلى أنه سيُرسل إلى الكونغرس وفق الأطر الدستورية.

في المقابل، تظهر في التغطيات التحليلية إشارات إلى مخاوف قطاع الصناعة المحلية من منافسة مباشرة، وإلى أن بعض البنود التنظيمية (المعايير/الرقابة) تُقرأ كتنازل يُعيد رسم حدود سلطة الدولة في ضبط الجودة.

أما في الولايات المتحدة، فالنقاش المحتمل يتركز على ملف اللحوم (حساسية المزارعين والولايات الزراعية) وعلى البعد السياسي لدعم حليف خارجي، وهو ما انعكس في انتقادات داخل الكونغرس وداخل المشهد الحزبي.

11 – خلاصة

الاتفاقية تُعيد هندسة العلاقة الاقتصادية الأميركية–الأرجنتينية على أساس “الفتح المتبادل” لكن مع وزن كبير لموضوعين: تفكيك الحواجز غير الجمركية داخل الأرجنتين (رخص الاستيراد والمعايير الفنية/الرقابية) وتثبيت شراكة استراتيجية في المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد.

لذلك، أهم ما سيحكم تقييمها خلال الأسابيع المقبلة ليس العناوين العامة، بل ثلاثة عناصر:

نص التطبيق والجدول الزمني (متى وما الذي يدخل حيّز التنفيذ)،

كيفية تمريرها في الكونغرس الأرجنتيني،

قدرة القطاعات المحلية على التكيّف مقابل تسارع فتح السوق أمام منافسة أميركية.

شارك المعرفة

شارك هذا المقال

أدوات المقال
البريد