رحلة إلى البرازيل : في قلب ساو باولو… صوت الإسلام وحكمة الدعوة الشيخ محمد البقاعي
لقاء خاص أجراه موقع (الأرجنتين بالعربي) مع فضيلة الشيخ محمد البقاعي، أحد أبرز رموز العمل الإسلامي في البرازيل
يسعى “موقع الأرجنتين بالعربي” من خلال الزيارات خارج الارجنتين إلى تسليط الضوء على الشخصيات البارزة التي لها تأثير عميق في مجتمعاتها، في هذا اللقاء الحصري، نسلّط الضوء على شخصية دينية مؤثرة ومُلهمة في الجالية المسلمة بالبرازيل.
نستضيف عبر منبرنا المتواضع فضيلة الشيخ محمد البقاعي ، الداعية السوري المقيم في ساو باولو منذ أكثر من 17 عامًا، والذي كان شاهدًا ومشاركًا فاعلًا في نهضة الوعي الإسلامي في البرازيل وأمريكا اللاتينية.
حوار شامل من مكتبه في مسجد البرازيل في مدينة ساو باولو – البرازيل، تناولنا مع فضيلة الشيخ مسيرته، واقع الجالية الإسلامية، التحديات، الفرص، والتفاعل مع المجتمع البرازيلي، في مشهد يُجسد تعايشًا إنسانيًا فريدًا من نوعه.
نُشر هذا اللقاء ضمن سلسلة (سؤال وجواب) برنامج حواري صحفي بإدارة د. عبد العزيز طارقجي
واقع الجالية الإسلامية في البرازيل وتحدياتها
سؤال: بداية نرحب بكم شيخنا الكريم، ونود أن تعرفنا بحضرتكم.
جواب: اسمي الشيخ محمد البقاعي من سوريا، أقيم في البرازيل منذ حوالي 17 سنة. دعيت إلى البرازيل لأن البلاد لا تحتوي على كليات أو جامعات تُخرّج مختصين في الشريعة الإسلامية، ولذلك غالبًا ما تحتاج الجاليات المسلمة في البرازيل وأمريكا الجنوبية إلى دعوة الدعاة من خارج البلاد. فتمت دعوتي للعمل هنا في عام 2007، وأنا موجود تحديدًا في مدينة ساو باولو.
سؤال: نسمع عن مكانتكم الطيبة في الجالية، حدثنا عن المسجد أو المركز الذي تعملون فيه.
جواب: المسجد الذي أعمل فيه هو “مسجد البرازيل”، ويتبع الجمعية الخيرية الإسلامية، وهي أول مؤسسة إسلامية أُسست في أمريكا الجنوبية، وتحديدًا في عام 1929. في البداية، كان مقر الجمعية عبارة عن جمعية فلسطينية أُسست من قبل مجموعة من الفلسطينيين والسوريين، ثم تطورت إلى جمعية خيرية إسلامية. هذا المسجد يُعتبر نقطة الانطلاق لبقية المراكز الإسلامية في البرازيل، وكان له دور كبير في انتشار الدعوة. و من الجدير ذكره أيضا والتنويه عليه، دور الجالية اللبنانية في إدارة المسجد والجمعية الخيرية الإسلامية لعقود طويلة بعد التأسيس، حيث توالت إدارات متعاقبة على إدارة شؤونه ، وصولاً إلى الإدارة الحالية برئاسة الحاج ناصر فارس ، والتي لها دور كبير في إعادة ترميم المسجد ومرافقه وتجديد المدرسة الإسلامية وشراء الأراضي لتوسيع المقبرة الإسلامية مما أعاد لهذا الصرح مكانته وحضوره في المجتمع الإسلامي والبرازيلي .
سؤال: هل يمكن أن تذكر لنا أبرز الشخصيات التي ساهمت في هذه النهضة الإسلامية؟
جواب: من أبرز الشخصيات الشيخ عبد الله عبد الشكور، الذي كان له دور كبير في بناء مسجد البرازيل والمدرسة الإسلامية البرازيلية، التي تضم اليوم نحو 450 طالبًا. كما أسس الشيخ – رحمه الله – المقبرة الإسلامية في بوروليوز. الجمعية الخيرية الإسلامية اليوم تشرف على المسجد والمدرسة والمقبرة.
سؤال: كيف تصفون الحضور الإسلامي في ساو باولو والبرازيل بشكل عام؟
جواب: الحضور الإسلامي الأكبر في البرازيل هو في ساو باولو، التي تُعد العاصمة الاقتصادية للبلاد. في ولاية ساو باولو وحدها يوجد حوالي 20 مسجدًا. ورغم أننا لا نملك إحصائية دقيقة لعدد المسلمين، فإن العدد كبير ويُعتبر التواجد الإسلامي الأكبر في البرازيل.
سؤال: برأيكم، كيف تبدو قوة المسلمين وتماسكهم في ساو باولو؟
جواب: المسلمون كأفراد وعائلات أقوياء، منهم أصحاب شركات وأموال ومثقفون. لكن لا تزال الجالية بحاجة إلى مزيد من التوحد لتشكيل قوة مؤسسية حقيقية. نحن بحاجة إلى مرجعية واحدة وصوت موحد حتى ننجز ونواجه التحديات.
سؤال: ما أبرز النشاطات الإسلامية التي تنفذونها من خلال المركز؟
جواب: نحن نقدم خدمات إسلامية وإنسانية، منها توثيق عقود الزواج والطلاق، ولدينا هنا ممثل لمفتي الجمهورية اللبنانية يشرف على الجالية اللبنانية. أيضًا، لدينا دروس دينية للرجال والنساء، لقاءات شبابية شهرية، ودورات لغة عربية تضم نحو 400 طالب. اللغة العربية مادة أساسية في المدرسة الإسلامية، ويوجد مسجد داخل المدرسة.
سؤال: ما واقع المسلمين الجدد في البرازيل؟ وهل من إقبال على الإسلام؟
جواب: نعم، هناك إقبال حقيقي على الإسلام. كل يوم جمعة تقريبًا يدخل أشخاص جدد إلى الإسلام، ولدينا دورات خاصة لهم كل يوم سبت. لكن التحدي الكبير هو غياب البيئة الإسلامية التي تحتضن هؤلاء الجدد، وهو ما نعاني منه حاليًا.
سؤال: هل تواجهون مضايقات من جهات معارضة بسبب إقبال غير المسلمين على الإسلام؟
جواب: لم نواجه مضايقات مباشرة، لكن هناك استخدام سياسي لبعض الشعارات المعادية للإسلام، خاصة من التيارات اليمينية المتشددة. مع ذلك، الشعب البرازيلي غير عنصري بطبيعته ولا يحمل مواقف سلبية من المسلمين.
سؤال: ما هو موقف وسائل الإعلام البرازيلية من المسلمين؟
جواب: بشكل عام، لدينا علاقات طيبة مع وسائل الإعلام الكبرى، وهي أصبحت تدرك أن الإسلام شيء وتصرفات بعض المسلمين شيء آخر. لكن في بعض الأحداث، خاصة في غزة وفلسطين، يظهر التحيز الإعلامي لصالح الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك، لم يُزج باسم الإسلام كطرف في هذه الصراعات.
سؤال: سمعنا أن هناك مبادرات رسمية للتعايش بين الأديان، هل لكم دور في ذلك؟
جواب: نعم، هناك منتدى تابع لوزارة العدل يُدعى “منتدى الأديان”، يضم ممثلين عن نحو 26 ديانة. نلتقي شهريًا للتشجيع على ثقافة السلام والتعايش، كما صدر في مدينة ساو باولو قانون لمحاربة عدم التسامح الديني، يتضمن عقوبات على من يسيء للأديان.
سؤال: هل ترون أن هذا القانون يحد من نشاطاتكم الدعوية؟
جواب: لا، بل على العكس. الحرية الدينية مكفولة بالدستور البرازيلي، والدعوة إلى الإسلام حق شرعي وقانوني.
سؤال: كيف تتعاملون مع ملف المهاجرين واللاجئين؟
جواب: منذ عام 2013، فتحنا أبواب المساجد لإيواء اللاجئين، وقدمنا لهم الطعام والمساعدة بالتعاون مع الدولة، بما في ذلك استئجار شقق سكنية لهم، ومساعدتهم في أوراق العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، وترجمة الوثائق.
سؤال: كيف تصفون العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب في البرازيل؟
جواب: العلاقة ممتازة. هناك زيارات متبادلة ومشاركة في الأعياد. نحن نحضر مناسباتهم وهم يحضرون مناسباتنا، ونشعر أن هناك بيئة حاضنة تدفع إلى التآلف، وهي نموذج نفاخر به.
سؤال: ننتقل إلى فلسطين، كيف ترون موقف الجالية المسلمة ومركزكم من العدوان على غزة؟
جواب: موقفنا مبدئي وثابت مع صاحب الحق، بغض النظر عن الدين. وجدنا تعاطفًا كبيرًا من الشعب والحكومة البرازيلية، وموقف الرئيس البرازيلي كان إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا، رغم الضغوط التي تعرض لها.
سؤال: أخيرًا، ما هي رسالتكم للمسلمين في الأرجنتين وأمريكا اللاتينية؟
جواب: أقول لهم: لولا أنني كنت في البرازيل، لكنت في الأرجنتين، فقد جاءتني دعوة للعمل هناك بنفس وقت الدعوة للبرازيل. تعلمت اللغة الإسبانية من أجل الدعوة، وأوصي الجميع بالاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم دون التخلي عن الدين والجذور والثقافة. علينا أن نكون مواطنين صالحين نحترم القوانين ونخدم المجتمعات، ونحافظ في الوقت نفسه على لغتنا وهويتنا.
في ختام هذا الحوار الشامل مع فضيلة الشيخ محمد البقاعي ، يتجلى بوضوح أن الإسلام في البرازيل ليس مجرد حضور رمزي، بل هو كيان متكامل ينمو بإيمان الجاليات وتكاتفهم.
لقد أضاء لنا فضيلة الشيخ معالم الطريق للعمل الإسلامي في أمريكا اللاتينية، وأكد على أهمية الوحدة، والاندماج الإيجابي، والحفاظ على الهوية الإسلامية في بيئة متعددة الثقافات.
إننا في موقع “الأرجنتين بالعربي” نثمّن هذه الرسالة، ونعدّ هذا اللقاء وثيقة حية تُعبّر عن صوت الجالية المسلمة، آمالها، تحدياتها، ودورها الإيجابي في النسيج البشري البرازيلي.
صور خاصة من اللقاء

