رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأرجنتيني:
الإفلات من العقاب جريمة دولة… والعدالة وحدها تحمي المجتمع الارجنتيني
.
بقلم: د. عبد العزيز طارقجي
صحافي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان
.
سيادة الرئيس،
خلال حملتكم الانتخابية، وبعدها في أكثر من مناسبة رسمية وشعبية، تعهّدتم صراحةً بمراجعة منظومة العدالة الجنائية الخاصة بالقُصّر، وبخفض سنّ المسؤولية الجنائية كجزء من سياسة شاملة لكبح السرقات والجرائم العنيفة التي تضرب المجتمع الأرجنتيني. كانت رسالتكم واضحة: لا أمن بلا عدالة، ولا عدالة مع الإفلات من العقاب.
اليوم، وبينما تمتلئ وسائل الإعلام الأرجنتينية بتقارير يومية عن سرقات في وضح النهار، وجرائم قتل واغتصاب واعتداءات وحشية، يبرز نمط مقلق يتكرّر: مرتكبو عددٍ كبير من هذه الجرائم هم دون سنّ 18 عامًا. وحين تتدخّل الشرطة وتؤدي واجبها المهني، تُحال القضايا إلى النيابة العامة، لينتهي الأمر في حالات كثيرة بالإفراج عن الجناة بدعوى “قانون حماية الطفل”.
النتيجة الواقعية؟ دورة متواصلة من الجريمة، ورسالة خطِرة للمجتمع الارجنتيني مفادها أن القانون عاجز، وأن الجريمة بلا ثمن.
.
أولًا: لا حصانة جنائية في الشرعة الدولية
من المهم التذكير بأن القانون الدولي لا يمنح حصانة مطلقة للمجرم لمجرد كونه قاصرًا. بل يميّز بوضوح بين الحماية والإفلات من العقاب:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) يقرّ مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه، ويؤكد حق المجتمع في الأمن، وحق الضحايا في العدالة.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يُلزم الدول بضمان الأمن العام وحماية الحياة والسلامة الجسدية، دون استثناءات تُشرعن العنف أو تُبيحه.
- اتفاقية حقوق الطفل (1989)، التي كثيرًا ما تُستعمل ذريعة للإفراج عن الجناة القُصّر، لا تنصّ في أي مادة على إعفاء الطفل الجانح من المسؤولية الجنائية، بل تؤكد:
– ضرورة مساءلة الأطفال المتورطين في جرائم ضمن نظام عدالة خاص بالأحداث.
– اعتماد تدابير تأهيل وإصلاح تراعي السنّ والكرامة الإنسانية، لا إلغاء المحاسبة.
– حماية الطفل لا تعني أبدًا تعريض المجتمع للخطر أو حرمان الضحايا من حقهم في العدالة.
إن القراءة السليمة للاتفاقية تُفضي إلى نتيجة واحدة: المساءلة شرط أساسي للإصلاح، والإصلاح دون مساءلة وهمٌ قانوني.
.
ثانيًا: الإفلات من العقاب يولّد الجريمة
تُظهر التجربة المقارنة في دول ديمقراطية عريقة أن التراخي مع الجرائم الخطِرة المرتكبة من قُصّر لا يُنتج إلا مجرمين أكثر خطورة في المستقبل. فالطفل الذي يقتل أو يغتصب أو يحمل سلاحًا ناريًا، ثم يخرج بلا عقوبة رادعة، يتلقّى رسالة واحدة مفادها أن العنف طريق بلا ثمن، وأن القانون عاجز عن ردعه.
وعلى النقيض من هذا النهج، اعتمدت دول ديمقراطية كبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية أنظمة واضحة للمساءلة الجنائية للأحداث، تبدأ في سنّ أدنى من 18 عامًا، مع ضمانات قانونية وإنسانية صارمة، من دون تحويل “حماية الطفل” إلى مظلّة إفلات من العقاب.
ففي فرنسا، يقرّ قانون العدالة الجنائية للأحداث مبدأ المسؤولية الجنائية ابتداءً من سن 13 عامًا، مع إمكانية فرض عقوبات جنائية على القاصرين في الجرائم الجسيمة، شريطة مراعاة سنّهم واعتماد تدابير إصلاحية وتأهيلية موازية. ويؤكد القانون الفرنسي صراحة أن السنّ لا يلغي الجريمة ولا يُسقط المحاسبة.
وفي ألمانيا، ينصّ قانون محاكم الأحداث (Jugendgerichtsgesetz) على مساءلة جنائية تبدأ من سن 14 عامًا، ويتيح للمحاكم فرض عقوبات سالبة للحرية في الجرائم الخطِرة، ضمن مؤسسات خاصة بالأحداث، انطلاقًا من مبدأ أن المساءلة شرط لإعادة الإدماج الاجتماعي.
أما في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من التفاوت بين الولايات، فإن الغالبية تعتمد سنّ مسؤولية جنائية يبدأ بين 10 و14 عامًا، وتجيز في الجرائم الخطِرة محاكمة القاصرين أمام محاكم مختصة بالأحداث، وأحيانًا أمام محاكم جنائية عادية، مع التأكيد الدستوري على مبدأ التناسب والضمانات الإجرائية.
وفي أمريكا اللاتينية، التي تشترك مع الأرجنتين في السياق الاجتماعي والتحديات الأمنية، تعتمد تشيلي نظامًا للمسؤولية الجنائية يبدأ من سن 14 عامًا، وفق قانون المسؤولية الجنائية للمراهقين، الذي ينص على عقوبات واضحة للقاصرين في الجرائم الجسيمة، مقرونة ببرامج إعادة تأهيل إلزامية، باعتبار أن ترك الجريمة بلا ردع يشكّل خطرًا على المجتمع وعلى القاصر نفسه.
كما تعتمد البرازيل نظام “التدابير socioeducativas” التي، رغم طابعها الإصلاحي، تسمح باحتجاز القاصرين مرتكبي الجرائم الخطِرة ضمن مؤسسات مغلقة، تأكيدًا على أن الحماية لا تعني الإعفاء من المسؤولية.
هذه الدول لم “تنتهك حقوق الطفل”، بل حمت الطفل والمجتمع معًا، وفهمت أن العدالة المبكرة، المتناسبة، والمقرونة بالتأهيل، هي السبيل الوحيد لقطع الطريق على تحوّل الجانحين إلى مجرمين محترفين في المستقبل.
.
ثالثًا: العدالة تحمي الجميع… لا الجناة فقط
إن تركيز الخطاب الحقوقي على الجاني وحده، وتجاهل الضحية، يُفرغ مفهوم حقوق الإنسان من جوهره، ويحوّله من منظومة حماية شاملة إلى أداة انتقائية. فالعدالة، وفق القانون الدولي، ليست امتيازًا لفئة، بل ضمانة متوازنة لحقوق الطفل والمرأة والرجل والمجتمع ككل.
وقد أكدت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هذا المبدأ بوضوح، إذ نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثالثة على أن:
«لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه»
وهو نصّ يضع أمن المجتمع وحماية الأفراد في صلب الالتزامات القانونية للدولة، دون تمييز بين ضحية وجانٍ.
كما يكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التزام الدول بضمان الأمن العام، ويُلزمها باتخاذ التدابير التشريعية والقضائية اللازمة لحماية الأفراد من العنف والجريمة، وهو ما يجعل الإفراج المتكرر عن جناة خطرين تقصيرًا في واجب الحماية، لا خيارًا حقوقيًا مشروعًا.
أما اتفاقية حقوق الطفل، التي يُساء استخدامها في كثير من الأحيان لتبرير الإفراج عن القاصرين الجانحين، فهي لا تمنح أي حصانة جنائية مطلقة. بل تنص المادة (40) منها على حق الطفل المتهم في معاملة تراعي سنّه وكرامته، ضمن نظام عدالة يُعزّز احترام القانون، ويهدف إلى إعادة إدماجه في المجتمع.
وهو ما يعني صراحةً أن المساءلة شرط للإصلاح، وأن تجاهل الجريمة لا يخدم مصلحة الطفل ولا المجتمع.
على المستوى الوطني، فإن دستور الأرجنتين يكرّس مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه، ويُلزم الدولة بحماية الحقوق الأساسية لجميع السكان، دون أن يمنح أي فئة — عمرية كانت أم اجتماعية — حق الإفلات من المساءلة. فالدولة، بموجب الدستور، مسؤولة عن ضمان الأمن العام وصون كرامة الإنسان، بما يشمل كرامة الضحايا وحقوقهم في العدالة.
وعليه، فإن الإفراج عن جناة خطرين بذريعة قراءة مبتورة أو مُسيّسة للاتفاقيات الدولية لا يشكّل حماية لحقوق الإنسان، بل يُنتج انتهاكًا مركّبًا يتمثل في:
انتهاك حق الضحية في العدالة والإنصاف،
انتهاك حق المجتمع في الأمن والسلامة،
وانتهاك حق الطفل نفسه في الإصلاح الحقيقي، عبر تركه أسيرًا لمسار إجرامي يتفاقم بدل أن يُعالَج.
فالعدالة ليست نقيضًا للرحمة، لكنها — في كل الأنظمة القانونية الرصينة — نقيض الإفلات من العقاب، والشرط الوحيد لبناء مجتمع آمن يحمي الضعفاء بدل أن يسلّمهم لسطوة الجريمة.
.
رابعًا: من الوعد إلى الفعل — مسؤولية الدولة وأمل المجتمع
سيادة الرئيس خافيير ميلي،
إن الوفاء بالوعود التي قطعتموها أمام الشعب الأرجنتيني لا يعني، في جوهره، تبنّي منطق الانتقام أو التشدد غير المبرر، بل يعني إعادة التوازن الضروري بين واجب الدولة في الحماية وواجبها في المساءلة، وفق أحكام الدستور والالتزامات الدولية التي ارتضتها الأرجنتين طوعًا.
لقد منحكم المجتمع، عبر صناديق الاقتراع، تفويضًا ديمقراطيًا صريحًا لإعادة الاعتبار لسيادة القانون، ووضع حدٍّ لحالة التفلّت الإجرامي التي باتت تهدد الأمن العام والسلم الاجتماعي، وتزرع الخوف في الحياة اليومية للمواطنين. وهو تفويض لا يستهدف فئة بعينها، بل يسعى إلى حماية الجميع دون استثناء.
وانطلاقًا من هذا الإطار الدستوري والقانوني، فإن المطلوب اليوم ليس إجراءات رمزية، بل سياسات تشريعية ومؤسساتية واضحة، من بينها:
- إصلاح تشريعي متوازن يُعيد النظر في سنّ المسؤولية الجنائية في الجرائم الخطِرة، بما ينسجم مع المعايير الدولية، ويضع حدًا للإفلات من العقاب دون المساس بضمانات العدالة للأحداث.
- إنشاء وتعزيز مؤسسات متخصصة لتأهيل الأحداث، منفصلة كليًا عن نظام السجون التقليدية، تجمع بين المساءلة القانونية، والدعم النفسي، وإعادة الإدماج الاجتماعي.
- وضع حدٍّ لسياسة الإفراج التلقائي التي أفرغت القانون من وظيفته الردعية، وحوّلته عمليًا إلى مظلة حماية للجريمة بدل أن يكون أداة لحماية المجتمع.
- التأكيد العملي، لا الخطابي، على أن سيادة القانون هي المرجعية العليا، وأنها فوق أي تأويل انتقائي أو ضغط ظرفي، وأنها الضامن الوحيد لأمن المواطنين وكرامتهم.
إن المجتمع الذي انتخبكم لا يطلب حلولًا مستحيلة، بل يطالب بحقه المشروع في الأمن، والعدالة، والعيش دون خوف. وهو مجتمع مستعد لدعم أي إصلاح قانوني جاد يعيد الثقة بالدولة، ويضع حدًا لمسار خطِر بات يهدد مستقبل الأجيال القادمة.
فالعدالة، حين تُطبَّق بحكمة وحزم، لا تُقسّم المجتمع، بل تحميه.
وهي وحدها القادرة على وقف الجريمة قبل أن تتحول إلى قدر يومي لا يُحتمل.
.
خامسًا: حماية أجهزة إنفاذ القانون… شرط أساسي لسيادة القانون
لا يمكن لأي دولة أن تفرض سيادة القانون أو تحمي أمن مواطنيها إذا تُركت أجهزة إنفاذ القانون تعمل في منطقة رمادية، تؤدي واجبها المهني تحت تهديد دائم بالملاحقة الإدارية أو القضائية. فالشرطة، بوصفها الذراع التنفيذي للدولة، لا تصنع القانون، بل تطبّقه، ولا يجوز تحميلها تبعات فراغ تشريعي أو تناقض قانوني لم تكن طرفًا في صنعه.
إن الواقع العملي يُظهر أن عناصر الشرطة في الأرجنتين يقومون، في كثير من الحالات، بواجبهم المهني في إيقاف الجناة وملاحقة مرتكبي الجرائم، بمن فيهم القاصرون في حالات التلبّس أو الطوارئ. غير أن هذه المهنية باتت مهدَّدة، إذ يجد الشرطي نفسه عرضةً للمساءلة أو فقدان وظيفته، بل وأحيانًا للملاحقة القضائية، لمجرد قيامه بتوقيف قاصر ارتكب جريمة خطِرة.
هذا الوضع لا يضعف فقط معنويات أجهزة الأمن، بل يُقوّض فعليًا قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للجريمة، ويحوّل تطبيق القانون إلى مخاطرة شخصية يتحمّلها الشرطي بدل أن تتحمّلها الدولة.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إطار قانوني واضح وصريح، يُكرَّس بمرسوم أو تشريع، يضمن ما يلي:
- تمكين الشرطة من ملاحقة وتوقيف مرتكبي الجرائم الخطِرة، حتى وإن كانوا قاصرين، في حالات التلبّس والطوارئ، وفق ضوابط قانونية دقيقة.
- حماية قانونية صريحة لعناصر إنفاذ القانون الذين يؤدّون واجبهم بحسن نية ووفق الأصول، بما يمنع تحويلهم إلى كبش فداء لفشل تشريعي أو مؤسسي.
- التأكيد أن دور الشرطة هو تطبيق القانون لا ممارسة العنف، وأن أي استخدام للقوة يجب أن يبقى ضروريًا، متناسبًا، وخاضعًا للرقابة القضائية.
إن المطالبة بتمكين أجهزة إنفاذ القانون لا تعني الدعوة إلى الإفراط في القوة، ولا إلى انتهاك حقوق الإنسان، بل تعني ببساطة إزالة القيود التي تشلّ يد الدولة أمام الجريمة، وضمان أن يعمل الشرطي في إطار قانوني يحميه كما يحمي المواطن.
فالدولة التي تُطالب شرطتها بالتحرّك، ثم تتركهم وحدهم أمام المحاكم، هي دولة تُضعف نفسها بنفسها.
أما الدولة التي تمنح أجهزتها صلاحيات واضحة، وضمانات قانونية، ورقابة قضائية عادلة، فهي وحدها القادرة على فرض الأمن دون أن تتخلّى عن قيم العدالة.
.
سادسًا: إلى مؤسسات حقوق الطفولة والخدمات الاجتماعية… حماية الطفل لا تعني الانحياز للجريمة
إن مسؤولية حماية الطفولة ليست حكرًا على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة، ومؤسسات حقوق الطفل، والخدمات الاجتماعية المحلية، والبلديات. غير أن هذه المسؤولية تفقد معناها القانوني والأخلاقي حين تتحوّل من حماية الطفل إلى الانحياز المسبق للجاني، ومن الرعاية الاجتماعية إلى المساهمة، ولو بشكل غير مباشر، في تعطيل مسار العدالة.
إن اتفاقية حقوق الطفل، التي تُستَخدم في كثير من الأحيان كمرجعية لتبرير الإفراج عن قاصرين ارتكبوا جرائم خطِرة، لا تمنح أي حصانة جنائية، ولا تُسقط مبدأ المساءلة. بل تنص صراحةً في المادة (40) على حق الطفل المتهم في أن يُعامل بطريقة تراعي كرامته وتُعزّز احترامه للقانون، ضمن نظام عدالة خاص بالأحداث يهدف إلى إعادة إدماجه في المجتمع. وهذا النص، في جوهره، يفترض وجود محاسبة قانونية عادلة، لا إنكارًا للجريمة ولا تبريرًا لها.
ومن هنا، لا بد من التمييز الواضح بين أمرين مختلفين قانونيًا:
- الدفاع عن المتهم، وهو حق قانوني أصيل ومكفول، سواء كان المتهم قاصرًا أو بالغًا؛
- والانحياز المسبق للجاني بذريعة السنّ، أو توظيف خطاب “حماية الطفل” لتعطيل المساءلة أو التأثير على قرارات القضاء.
إن الدفاع حق، أما تعطيل العدالة فليس حقًا، لا للطفل ولا لأي جهة تدّعي تمثيله.
كما أن مصلحة الطفل الفضلى، كما تقرّها الاتفاقية ذاتها، لا تتحقق بتركه في الشارع، ولا بدفعه إلى مسار إجرامي مفتوح، بل عبر تدخّل مسؤول ومتوازن يجمع بين المساءلة القانونية والتأهيل الحقيقي. فالإفراج المتكرر عن قاصرين ارتكبوا جرائم جسيمة لا يحميهم، بل يُسهم في تحويلهم، بعد بلوغهم سنّ الرشد، إلى مجرمين أكثر خطورة على أنفسهم وعلى المجتمع.
وتزداد الخطورة حين يترافق هذا الانحياز مع تدخّلات اجتماعية غير منضبطة في شؤون العائلات، بناءً على ادعاءات غير مثبتة بالعنف الأسري، من دون أدلة واضحة أو تحقيق مهني صارم. نعم، يجب مكافحة العنف ضد الأطفال بكل حزم، لكن الادعاء وحده لا يُشكّل دليلًا، وتحويل الشك إلى إجراء قسري قد يدفع القاصرين إلى الهروب نحو الشارع، حيث يصبحون عرضة للجريمة المنظمة والمخدرات والعنف، في مسار تكون نتائجه كارثية على الجميع.
إن حماية الطفل لا تكون بفصله تعسفًا عن أسرته، ولا بتبرير هروبه من المساءلة، بل بدعم مسار العدالة، واحترام الضمانات القضائية، والتدخل الاجتماعي القائم على الأدلة، لا الافتراضات.
وعليه، فإن المطلوب اليوم من مؤسسات حقوق الطفولة والخدمات الاجتماعية والبلديات:
- إعادة قراءة اتفاقية حقوق الطفل قراءة قانونية كاملة غير انتقائية؛
- التمييز الصارم بين الطفل الضحية والطفل الجانح؛
- الكفّ عن الانحياز المسبق للجناة بذريعة السنّ؛
- ودعم مسار العدالة في تطبيق القانون، مع احترام كامل لحق الدفاع والضمانات القضائية، حتى عندما يكون مرتكب الجريمة قاصرًا.
فحقوق الطفل لا تتناقض مع العدالة، لكن الانحياز للجاني باسم الحقوق يُقوّض العدالة ويُنتج جريمة أشدّ في المستقبل.
.
في الختام: العدالة أو الفوضى… ولا خيار ثالث
سيادة الرئيس،
إن ما تواجهه الأرجنتين اليوم لم يعد مجرّد نقاش قانوني أو سجال سياسي، بل بات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية مجتمعها وصون هيبة القانون. فالجريمة التي تُترك بلا مساءلة لا تتراجع، بل تتكاثر، والإفلات من العقاب لا يُنتج تسامحًا، بل يُنتج عنفًا أشدّ، وأكثر تنظيمًا، وأقسى أثرًا على الأجيال القادمة.
لقد أثبتت التجارب الدولية، كما أثبتت وقائع الشارع الأرجنتيني، أن العدالة المؤجَّلة هي عدالة منقوصة، وأن حماية الحقوق لا تتحقق عبر تعطيل القانون، بل عبر تطبيقه بحزمٍ عادل، ومسؤولية متوازنة، واحترام كامل للضمانات القضائية. فلا أمن بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة، ولا حماية حقيقية للطفل إن تُرك أسيرًا لمسار إجرامي ينتهي به إلى أن يكون خطرًا على نفسه وعلى المجتمع بعد بلوغه سنّ الرشد.
إن المجتمع الذي منحكم ثقته لم يفعل ذلك طلبًا للانتقام، بل طلبًا للأمان، ولإعادة الاعتبار لدولة القانون. وهو مجتمع مستعد لدعم أي إصلاح جاد يعيد التوازن بين الرحمة والحزم، بين الحقوق والواجبات، وبين حماية الطفل وحماية الضحية.
واليوم، تقف الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا ترسيخ سيادة القانون بحيث يكون الجميع — دون استثناء — خاضعين للمساءلة العادلة،
وإمّا ترك الساحة لمنطق الإفلات، حيث تتحوّل الجريمة إلى قاعدة، والخوف إلى أسلوب حياة.
إن العدالة ليست قسوة، لكن غيابها هو القسوة بعينها.
والدولة التي تحمي مستقبلها هي تلك التي تجرؤ على تطبيق القانون اليوم، قبل أن يُفرض عليها غدًا بثمنٍ أعلى، وألمٍ أعمق، ودمٍ لا يُمحى.
.
المصدر بالاسبانية : noticias-latinas.com.ar
